السودان في فلك طهران.. فشل بورتسودان في إدارة علاقاته العربية
ترتكب حكومة بورتسودان خطأً دبلوماسياً فادحاً يدفع السودان نحو عزلة غير مسبوقة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
فبدلاً من ترميم علاقاته مع دول الخليج الداعمة تاريخياً للشعب السوداني، تتبنى خطاباً سياسياً وإعلامياً متشنجاً يخلق عداوات مع أقرب الحلفاء.
هذا النهج يكشف قصوراً استراتيجياً عميقاً، ويضع السودان في موقع خاسر إقليمياً، بينما يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى توسيع دائرة أصدقائه لا خسارتهم.
إن الخطأ الأكبر في هذا المسار لا يكمن فقط في التصريحات السياسية المتشنجة أو في الرسائل الإعلامية المرتبكة، بل في غياب الرؤية الاستراتيجية التي يفترض أن تحكم سلوك الدول في لحظات الأزمات.
فالدول التي تعيش حروباً داخلية وانهياراً اقتصادياً لا تستطيع أن تدير سياستها الخارجية بمنطق الانفعال أو الاصطفاف الأيديولوجي، بل تحتاج إلى دبلوماسية هادئة وواقعية تعيد بناء الثقة مع محيطها الإقليمي.
السودان، عبر تاريخه الحديث، كان جزءاً أصيلاً من منظومته العربية. علاقاته مع دول الخليج لم تكن مجرد علاقات دبلوماسية عابرة، بل شبكة عميقة من المصالح الاقتصادية والإنسانية. ملايين السودانيين عملوا في تلك الدول، وأسهموا في بناء اقتصاداتها، وفي المقابل ظلت دول الخليج سنداً اقتصادياً وسياسياً مهماً للسودان في أوقات الأزمات.
لكن الخطاب الذي يصدر اليوم من بعض المنابر المرتبطة بالسلطة في بورتسودان يبدو وكأنه يتجاهل هذا التاريخ بالكامل. فبدلاً من الحفاظ على هذا الرصيد الاستراتيجي، يجري إضعافه بخطاب سياسي يفتح الباب أمام سوء الفهم ويخلق انطباعاً بأن السودان ينزلق نحو محاور إقليمية لا تخدم مصالحه الوطنية.
هذه المقاربة لا تعكس فقط سوء تقدير سياسي، بل تكشف أيضاً أزمة أعمق في فهم طبيعة التوازنات الإقليمية. فالموقع الجغرافي للسودان على البحر الأحمر يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة في معادلات الأمن الإقليمي. وهذا الموقع يفرض على أي قيادة سودانية أن تتعامل مع سياستها الخارجية بحذر شديد، لأن أي انحراف في التوازنات قد تكون له انعكاسات واسعة تتجاوز حدود السودان نفسه.
غير أن ما يظهر في المشهد السياسي الحالي يوحي بأن هذا الإدراك الاستراتيجي غائب إلى حد كبير. فبدلاً من تقديم السودان كدولة توازن واستقرار في محيطها العربي والأفريقي، يتم تقديمه في بعض الأحيان كجزء من صراعات إقليمية لا مصلحة له فيها.
وهنا تكمن خطورة المسار الحالي. فالدول التي تخسر ثقة محيطها الإقليمي تجد نفسها سريعاً في حالة عزلة سياسية، وهذه العزلة تكون أكثر خطورة عندما تكون الدولة أصلاً في حالة أزمة داخلية عميقة.
السودان اليوم بحاجة إلى كل أشقائه، وليس إلى فتح جبهات سياسية وإعلامية معهم. فالأزمات الوطنية الكبرى لا تُحلّ عبر التصعيد الخارجي أو عبر الخطاب الأيديولوجي، بل عبر بناء تحالفات عقلانية تحمي مصالح الدولة وتفتح أمامها مسارات الدعم والاستقرار.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب الداخلية، بل أيضاً في إعادة بناء سياسته الخارجية على أسس أكثر واقعية وتوازناً. فالدبلوماسية الناجحة لا تقوم على ردود الفعل، بل على قراءة دقيقة لمصالح الدولة وموقعها في شبكة العلاقات الإقليمية.
وإذا استمرت السياسات الحالية دون مراجعة عميقة، فإن الخسارة لن تكون فقط في العلاقات مع دول الخليج، بل في المكانة الإقليمية للسودان ككل.
غالبًا ما لا تخسر الدول نفوذها دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجيًا مع تراجع ثقة شركائها بها. لكن السودان يبدو اليوم استثناءً مؤلمًا لهذه القاعدة، إذ خسر جانبًا مهمًا من رصيده الإقليمي في زمن قصير نتيجة أخطاء دبلوماسية متراكمة، ولم يعد يقف عند مفترق طرق تاريخي، بل بات يواجه واقعًا سياسيًا جديدًا تشكلت ملامحه بالفعل، واقعٌ قد يكون إصلاحه أصعب بكثير مما كان تجنبه.
