الإمارات ليست زجاجًا
الإمارات ليست مجرد دولة ناجحة… إنها مشروع يزعج كل من يعيش على خراب الأيديولوجيا."
لطالما سمعت السؤال ذاته، بصيغ مختلفة، خلال عقدين أمضيتهما بين العاصمتين السياسية والتجارية لدولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي ودبي: ماذا سيحدث لو وصلت الحرب إلى هنا؟
هل يمكن أن يصمد هذا الصعود المذهل الذي بُني بثقة تكاد لا تعرف التوجس، إذا أصبحت المنطقة تحت نيران الصواريخ؟ أم أن هذه المدينة التي تبدو للعيون كحلم من الضوء والزجاج ستتبدد مع أول اختبار قاسٍ؟
لم يكن السؤال يُطرح بدافع الشماتة بقدر ما كان يخرج من دهشة حقيقية. بعض من طرحوه كانوا أصدقاء ومستثمرين لديهم هواجسهم، وآخرون التقيتهم في رحلاتي وقعوا تحت تأثير دعايات صنعتها المبالغات أو الجهل وربما التضليل أيضًا.
ومع ذلك، كانت إجابتي دائمًا حاسمة وموضوعية، لسببين بسيطين لطالما ذكرتهما.
الأول أن رأس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ونائبه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كلاهما من خلفية عسكرية راسخة، تشربا الفروسية والبسالة من والديهما المؤسسين، وانخرطا منذ نعومة أظافرهما في المؤسسة العسكرية، وصعدا مراتبها.
فهل يُعقل أن من خرجا من هذه المدرسة يبنيان مدنًا من زجاج تتهاوى مع أول رمية حجر؟
لكن المسألة في الحقيقة أعمق بكثير من هذا الجدل العابر. فبعيدًا عن تلك السجالات الصغيرة التي كنت أخوضها هنا وهناك، عايشت على مدى سنوات بناءً متينًا يزداد صلابة عامًا بعد عام. لقد رأيت هذا المشروع وهو يتشكل أمامي، بحكم العيش هنا وبحكم المهنة أيضًا.
ومنذ أكثر من عقد، بدأت الدولة استعدادًا هادئًا ومدروسًا لهذه اللحظة التي يكثر الحديث عنها. فُتحت أبواب التجنيد لشبابها، وتعززت عقيدة الخدمة الوطنية، وبدأت ملامح صناعة عسكرية وطنية تتشكل عبر الاستثمار في التصنيع الدفاعي والشراكات الدولية. وتوازى ذلك مع بناء منظومات دفاع جوي متقدمة، وتطوير بنية أمنية تعتمد على أحدث التقنيات، وصولًا إلى إدماج الذكاء الاصطناعي في منظومات الأمن والدفاع.
كان الناس مأخوذين بما يرونه أمام أعينهم: شوارع واسعة، وأبراج شاهقة، ومطارات تضاهي أكبر مطارات العالم، وأسواق تضج بالحياة، وأمان يكاد لا يضاهيه مكان آخر في الدنيا. لكن خلف هذا الانبهار ظل السؤال يعود ليهمس في أذهان البعض: هل يمتلك هذا الإنجاز القوة الكافية لحمايته؟
كنت دائمًا أجادل عن قناعتي التي شهدتها وعايشتها.
كنت أرى في عيني قيادة هذه الدولة، بعد كل ما أنجزته، وعدًا واضحًا بالأمان والحماية مهما تعاظمت المخاطر.
وأذكر أنني في آخر رحلة لي إلى أوروبا قبل أشهر، دهش مضيفي حين كان يوصيني بالحفاظ على جواز سفري من الضياع أو السرقة حتى لا أعلق هناك. أخبرته ببساطة أن المقيم في الإمارات، خصوصًا من حاملي الإقامة الذهبية، بات يُعامل في كثير من الحالات معاملة المواطن من حيث الرعاية والحماية. قلت له إنني لن أكون عالقًا في بلد توجد فيه سفارة لدولة الإمارات، لأن هذه الدولة ستتكفل بإعادتي سالمًا غانمًا حتى لو ضاع جواز سفري وكل ما أملك.
ضحك الرجل وقال لي حرفيًا:
"لا تغادر هذه الدولة أبدًا".
لم تكن تلك جملة عابرة. كانت تعبيرًا صادقًا عن إدراك يتكوّن لدى كثيرين ممن يرون التجربة الإماراتية عن قرب وأصبحوا جزءًا منها.
فالإمارات لم تصنع مدنًا من زجاج، ولا مدنًا من هلام. لقد أسست فلسفة كاملة للحياة والشراكة مع العالم، تقوم على الاستثمار في الإنسان أولًا: في أبنائها، وفي المقيمين على أرضها، وفي ضيوفها وعابري السبيل فيها. وهذا الاستثمار العميق في البشر هو الذي صنع في النهاية هذه المتانة، وخلق هذا الإيمان الجماعي بالمشروع الذي بُني هنا.
ولعل ما كشفته الأحداث الأخيرة بوضوح هو أن الاعتداء الإيراني لم يكن موجّهًا إلى الإمارات بوصفها دولة فحسب، بقدر ما كان موجّهًا إلى المشروع الذي تمثله. فهذه التجربة التي تجمع الأديان والأعراق والطموحات الإنسانية في فضاء واحد، وتفتح المجال أمام صياغة مجتمع حديث يتسع للجميع، تبدو بالنسبة لكثير من المشاريع الأيديولوجية تهديدًا مباشرًا لسردياتها التي قامت طويلًا على الخوف والانغلاق وصناعة الأعداء.
فالمشروع الذي يتشكل هنا في الخليج، والقائم على التنمية والانفتاح والاستثمار في الإنسان، يقف على النقيض تمامًا من تلك العقائد السياسية التي اعتادت اختطاف المجتمعات باسم الدين أو الثورة أو الهوية. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتقاطع في لحظة واحدة أصوات المؤدلجين مع أصوات رؤوس الإرهاب الذين سارعوا إلى التصفيق للهجوم، وكأنهم ينتظرون اللحظة التي يرون فيها عواصم الخليج تحترق مدينة بعد مدينة.
وفي قلب هذا المشهد تقف أبوظبي، التي تحولت بالنسبة لكثير من أصحاب المشاريع الظلامية إلى غصة حقيقية في حلقهم، لأنها تقدم نموذجًا نقيضًا لما يريدون فرضه على المنطقة: دولة تبني بدل أن تهدم، وتستثمر في الإنسان بدل أن تعبئه بالكراهية، وتفتح أبوابها للعالم بدل أن تحبسه داخل أسوار الأيديولوجيا.
ولهذا فإن من يعرف الإمارات حقًا يدرك أنها ليست دولة تُؤخذ على حين غرة، ولا مشروعًا بُني على عجل، ولا خيمة تُترك أوتادها للريح. إنها دولة تعرف جيدًا كيف تبني، وكيف تحمي ما بنت.
ويقيني أن قوة الردع التي رأيناها مؤخرًا، والتي بترت أصابع المعتدين، تقف خلفها إرادة سياسية صلبة، وإدارة واعية، وقوة مؤسساتية ستظهر تباعًا كلما استدعى الأمر ذلك، وبالقدر الذي يناسب كل حدث.
فما بُني هنا لم يُبنَ عبثًا.
إنه بناء محروس بالله، ثم بأبناء وطن يعرفون تمامًا حجم المسؤولية التي التزموا بها أمام أنفسهم ومجتمعهم ومنطقتهم بأسرها.
ولهذا فإن دبي — كما الإمارات كلها — ليست مدينة من زجاج.
إنها مدينة من فولاذ… بُنيت لتصمد.
