menu_open Columnists
We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close

إيران وإسرائيل.. بين الجيرة والعداء

47 0
14.04.2026

خلال الفترة الماضية، برزت في الوطن العربي الكثير من الأصوات تصدح حناجرها برواية قديمة تُصنّف من خلالها العدو والصديق للوطن العربي، وتحاول هذه الأصوات تثبيت رواية إيران الجارة وإسرائيل العدو.

لكن الغريب في هذه الأصوات أن الصواريخ والمسيرات الإيرانية على دول الخليج العربي لم تجعلها تعيد حساباتها، ولو بقدر قليل من التأني لتفحّص المشهد، ما جعل سرديتها تستدعي التوقف والتمحيص.

ليس من الحكمة السياسية، ولا من النزاهة الفكرية، أن تبقى مفاهيمنا حبيسة الشعارات الموروثة، أو أن نظل نخلط بين ضروب الخصومة خلطًا يبدد البصيرة ويعطل القدرة على التمييز. فليس كل مختلفٍ عدوًّا بالمعنى نفسه، وليس كل عدوٍّ يمارس العدوان بالأداة ذاتها.

ومن آفات العقل السياسي العربي أنه كثيرًا ما يساوي بين المتباينات، ويدير وعيه الاستراتيجي بعاطفة التعبئة لا بميزان التحليل، حتى صار «العداء» شماعةً سياسية تُعلَّق عليها الإخفاقات، بدل أن يكون مفهومًا مضبوطًا يُبنى على قراءة طبيعة التهديد ومقاصده ووسائله.

ومن هنا، تبدو الحاجة ماسّة إلى إعادة تعريف العداء في المجال العربي، من أجل حماية الدولة العربية ذاتها، وصيانة المجتمع من الاختراق، وتمكين العقل العام من أن يفرّق بين الخلاف والعداوة، وبين الخصم الذي يواجهك مواجهةً ظاهرة، والجار الذي يتسرّب إلى داخلك ليفسد بنيانك من الأساس.

لقد كانت إسرائيل، ولا تزال، على خلاف تاريخي عميق مع العرب بسبب القضية الفلسطينية، وهو خلافٌ تأسيسيّ في الوجدان العربي، لا يجوز إنكاره ولا تبخيس آثاره. فهذا كيان قام في سياق اقتلاع وظلم واحتلال، وخاض مع العرب حروبًا دامية تركت في الذاكرة السياسية والجمعية جراحًا لا تندمل بالتجاهل. غير أن النظر السياسي الرشيد يقتضي التمييز بين طبيعة هذا الصراع وطبيعة الصراع الآخر الذي يلبس لبوس الجوار والدين، ثم يمارس التخريب المنهجي.

فإسرائيل، على قسوة مشروعها وعدوانية سياساتها في مواضع كثيرة، دخلت مع العرب في إطار صراعٍ سياسي وعسكري تقليدي: جيوشٌ تواجه جيوشًا، ودولٌ تعلن الحرب أو تبرم الهدنة، ومعاركُ تُخاض في العلن، يُنتصر فيها أو يُهزم، ويُعرف فيها العدو من موقعه، والميدان من حدوده، والخسارة من طبيعتها.

إنك أمام خصمٍ ظاهر، جنحت بعض الدول العربية للسلم معه، لا أمام سرطانٍ يسري في الأعصاب، وأمام نزاعٍ يمكن تعريفه سياسيًا وعسكريًا، لا أمام مشروعٍ يلبس قناع الصداقة أو النصرة ليشرع في تقويض الدولة من داخلها.

أما إيران، فهي في التجربة العربية المعاصرة ليست مجرّد دولة تختلف مع العرب في السياسات أو المصالح، بل هي نموذجٌ لما يمكن تسميته بالجوار المسموم: جوارٌ لا يكتفي بالمنافسة، ولا يرضى بالتوازن، بل يعمل على بثّ السمّ في جسم الدولة العربية، وتفكيك مناعتها، وإضعاف مؤسساتها، وتحويل مجتمعاتها إلى ساحات نزاعٍ أهليّ مفتوح.

إنها لا تدخل البيوت العربية من الباب السياسي الواضح، بل من الشقوق الطائفية والأيديولوجية والتنظيمية، مستثمرةً في الانقسام، ومغذّيةً للمليشيات، ومقدّمةً الولاء العابر للحدود على السيادة الوطنية.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين خلافٍ، وإن اشتدّ، بقي خلافًا بين دول، وبين عداوةٍ تستهدف فكرة الدولة العربية نفسها. فإيران لم تتعامل مع المجال العربي بوصفه فضاءً لجوارٍ متكافئ، بل بوصفه ساحة نفوذٍ ينبغي اختراقها، ومجموعة كيانات رخوة ينبغي إنهاكها حتى تُنتزع منها قراراتها وتُربط بقرار يُحاك في العاصمة الإيرانية طهران، أساسه تصدير الثورة.

ولذلك لم يكن سلاحها الأول هو الحرب التقليدية المباشرة، بل الوكيل، والمليشيات، والاختراق العقائدي، والتعبئة المذهبية، والتحالفات التنظيمية التي تتجاوز منطق الدولة إلى منطق الجماعة العابرة للحدود.

ومن أخطر ما في هذا المشروع أنه وجد في بعض التيارات الأيديولوجية، وفي مقدمتها جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان في بعض الساحات، نقاط تماسٍّ ومناطق تقاطع، أتاحت له التمدد داخل البيئات العربية عبر خطابٍ مزدوج: خطابٍ يرفع راية الأمة، بينما هو في الحقيقة يفتّت أوطانها؛ ويزعم مقاومة الخارج، بينما يفتح أبواب الداخل لكل ولاءٍ غير وطني.

وهكذا تشكّل تحالفٌ موضوعي، وإن اختلفت أشكاله، بين النزعة الإمبراطورية الإيرانية وبين التنظيمات التي ترى الدولة الوطنية عائقًا أمام مشاريعها الخاصة.

والحصيلة الماثلة أمامنا لا تحتاج إلى كثير جدل. ففي سوريا، لم يكن الحضور الإيراني نصرةً لدولة عربية بقدر ما كان مساهمةً في تمزيقها، وتغذيةً لحربٍ مزّقت المجتمع، وفتحت أبواب البلاد لمليشيات عابرة للجنسيات والهويات.

وفي لبنان، لم يؤدِّ تغوّل الوكيل المسلح إلا إلى إضعاف الدولة، وتعطيل مؤسساتها، وتحويل القرار الوطني إلى رهينة ميزانٍ لا تحكمه المصلحة اللبنانية بقدر ما يحكمه الارتباط بالمشروع الإيراني.

وفي اليمن، لم يكن دعم الحوثي سوى استثمارٍ في الخراب، وتمكينًا لمليشيات انقلبت على الدولة والمجتمع، وجرّت البلاد إلى هاوية الحرب والانقسام.

أما الخليج العربي، فقد كان هدفًا مباشرًا للصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الأمنية التي لم تفرّق بين زعزعة الاستقرار واستهداف المدنيين ومقدرات الدول.

إن هذا النمط من السلوك لا يصدر عن جارٍ مختلف معنا، وإنما عن خصمٍ يرى في استقرارنا خطرًا عليه، وفي قيام الدولة العربية الوطنية المتماسكة حاجزًا أمام توسعه. لذلك فهو يعمل على إنهاكها لا على هزيمتها؛ وعلى إفراغها من مضمونها لا على منازلتها في ساحةٍ مكشوفة. إنه يريد دولةً عربية ضعيفة، مخترقة، منقسمة على نفسها، متنازعة الولاءات، لأن الدولة القوية المستقرة تفسد عليه منطقه وتُسقط مشروعه.

ولهذا، فإن استمرار الخطاب العربي في وضع إسرائيل في خانة العداء، وإيران في خانة الجوار، من غير تمييز في طبيعة التهديد وأدواته وآثاره، ليس فقط خطأً في التصنيف، بل خطأٌ في بناء الوعي الاستراتيجي نفسه.

فليست القضية في تبرئة إسرائيل من تاريخها وصراعها مع العرب، فهذا بابٌ آخر له منطقه ومجاله، وإنما القضية في أن العقل السياسي الناضج يجب أن يعرف من يختلف معه ومن يعاديه وجوديًا، ومن يواجهه في معركةٍ معلنة، ومن يتسلل إليه ليحوّل مجتمعه إلى شظايا، ودولته إلى اسمٍ بلا مضمون.


© العين الإخبارية