بورتسودان بوابة طهران.. كيف اختطفت الأيديولوجيا جيش السودان
لم تعد العلاقة الجدلية بين التيار الإسلامي في السودان الذي يسيطر على مقاليد السلطة في بورتسودان والنظام الإيراني مجرد فرضية يطرحها المراقبون، أو اتهاماً تتقاذفه أطراف الصراع.
بل تحولت، في ظل الحرب الراهنة، إلى معطىً استراتيجي معلن يعيد تشكيل هوية الدولة السودانية وتموضعها الإقليمي.
التصريحات التي أطلقها قادة بعض الكتائب الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش خلال الأشهر الأخيرة - ومن بينها تصريح الناجي عبد الله، الملقب بـ "أمير المجاهدين"، الذي أعلن فيه صراحة الاصطفاف إلى جانب طهران في مواجهة واشنطن - تعكس تحوّلاً يتجاوز حدود التعبئة المعنوية إلى إعلان تموضع أيديولوجي واضح، بل تكشف جانباً من العقيدة القتالية التي يجري ترسيخها داخل الجيش السوداني.
ما يجري اليوم ليس مجرد تعاون عسكري مع إيران، بل تعبير عن تقاطع عميق بين مشروعين أيديولوجيين يرى كل منهما في الآخر حليفاً طبيعياً في مواجهة النظام الإقليمي والدولي القائم.
لقد خضع الجيش السوداني، منذ انقلاب عام 1989 بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، لعملية هندسة بنيوية دقيقة قادها تنظيم الإخوان المسلمين - الجبهة القومية الإسلامية آنذاك، والحركة الإسلامية السودانية حالياً - على مدار ثلاثة عقود. جرى خلالها تجريف العقيدة العسكرية المهنية لصالح الولاء التنظيمي، حيث استُبدلت الكفاءة بالانتماء العقائدي، وتحولت المؤسسة الوطنية تدريجياً إلى وعاء لمشروع سياسي عابر للحدود.
هذا التمكين لم يقتصر على السيطرة على مفاصل القيادة فحسب، بل أفضى إلى نشوء بنية عسكرية موازية، تتماهى فيها حدود الدولة مع طموحات المحور الأيديولوجي التوسعي الذي يتجاوز فكرة الدولة الوطنية.
مع اندلاع حرب أبريل 2023، لم يكن ظهور الطائرات المسيّرة الإيرانية في سماء السودان مجرد صفقة تسليح اضطرارية لتعويض خسائر الميدان، بل بدا أقرب إلى إعلان هوية.
منحت طهران للجيش - وللتيار الإسلامي المحرك له - طوق نجاة تقنياً أسهم في إعادة ترميم قدراته الميدانية، مقابل استعادة نفوذها الجيوسياسي في السودان، وعلى سواحل البحر الأحمر على وجه الخصوص.
وفي سياق التنافس المتصاعد على البحر الأحمر، تسعى إيران منذ سنوات إلى استعادة موطئ قدم استراتيجي على الساحل السوداني، بما يمنحها منفذاً إضافياً في معادلة الأمن البحري الإقليمي. وهو ما يجعل السودان جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتجاوز حدود صراعه الداخلي.
الأخطر في خطاب قادة الفصائل والكتائب الإسلامية المسلحة هو استحضارهم المتكرر لمصطلح "الجهاد والمجاهدين". فهذه اللغة ليست مجرد مفردة تعبئة قتالية، بل تعكس تصوراً عقائدياً للصراع يتجاوز مفهوم الدفاع عن الدولة إلى فكرة الانخراط في صراع أيديولوجي أوسع.
وهنا تتراجع صورة الجيش بوصفه مؤسسة وطنية جامعة، ليظهر تدريجياً كأحد أذرع مشروع أيديولوجي يرى في الصدام مع المجتمع الدولي قدراً محتوماً، وفي الانتماء إلى المحور بديلاً عن الانتماء إلى الدولة.
إن تغلغل الإسلاميين في قيادة الجيش ليس مجرد إرث من الماضي، بل أصبح أحد المحركات الفاعلة في تشكيل خيارات الحاضر. فالارتماء في أحضان طهران يعكس رغبة هذا التيار في حماية وجوده السياسي تحت مظلة السلاح، حتى لو كان الثمن إدخال السودان في لعبة المحاور الإقليمية وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
إن أخطر ما يكشفه هذا المسار ليس مجرد تحالف طبيعي بين نظامين، بل يحمل إعادة تعريف لوظيفة الجيش السوداني نفسه؛ من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الدولة، إلى أداة ضمن صراع محاور إقليمية راديكالية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن السودان لا يخاطر فقط بعزلته الدولية، بل بتحول أراضيه إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية على حساب السودان والسودانيين، الذين يتطلعون إلى بناء دولتهم المدنية الوطنية.
