الرد الأقسى بتاريخ الاعتداءات الحربية.. الإمارات لا تفاوض على أمنها وسيادتها
تصريحات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات للزميل الإعلامي فيصل بن حريز في مقطع فيديو والذي يتداول على نطاق واسع محليا وعربيا ودوليا، ورغم أنه لا يتجاوز بضع دقائق، إلا أنه يقدّم للناس خلاصة فلسفة الإمارات في الحكم والإنسان والأمن.
لم ترافق رئيس دولة الإمارات، خلال جولته للاطمئنان على جرحى الاعتداءات الصاروخية الإيرانية السافرة على أراضي الدولة، لا كاميرات تلفزيونية ولا كبار الصحفيين ومندوبي الصحف أو المؤسسات الإعلامية، بل بحديث سُجل على هاتف شخصي حمل محتواه ما تعجز حلقات ولقاءات تلفزيونية طويلة أن يقولها ويحملها لكل من يهمه الأمر.
لم يكن المشهد استعراضا، وإنما حضور قائد يذهب إلى جوهر اللحظة وتحديد الجرحى. خمسةٌ من ضحايا الاعتداءات الإيرانية منهم إماراتيان، وهندي، وسوداني، وإيراني. تمايز الهويات هنا لم يكن للتعداد، بل للمعنى. ففي الإمارات، قيمة الإنسان تسبق كل بطاقة تعريف، ورعاية المصاب لا تُقاس بجواز السفر، بل بواجب الدولة وأخلاقها.
في عبارة واحدة، اختصر الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مدرسة كاملة في القيادة. قال مطمئنا "هذيل كلهم أمانة في الرقبة، وإن شاء الله بيظهرون سالمين غانمين". فالقائد هنا يتحدث من مقام المسؤولية التي تُلزم قبل أن تُشرّف. كلمة “أمانة” تحمل ثقلا أخلاقيا ودينيا واجتماعيا، وتعني أن الدولة لا تترك رعاية من يقع في نطاق عهدتها وحمايتها، مهما اختلفت أصوله أو لغته أو اسمه.
وفي زمن الأزمات، تتعرّى الدول أمام اختبارين وهما اختبار القوة، واختبار الإنسانية. وما ظهر في المقطع أن الإمارات لا ترى بينهما تناقضا؛ بل ترى أن القوة الحقيقية تبدأ من حماية الإنسان، وأن السيادة لا تكتمل إلا حين تكون “الرقبة” مسؤولة عن الضعيف قبل القوي، وعن المقيم كما المواطن.
ثم انتقل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان من سرير الجريح إلى قلب المجتمع، موجّها تحية خاصة للمقيمين، واصفا إياهم بأنهم "ضيوفنا وأهلنا" إنها عبارة تُخرج “الإقامة” من إطارها الإداري إلى معناها الاجتماعي والإنساني.
فالإمارات، كما تجلّى في هذا الخطاب، لا تتعامل مع المقيم بوصفه رقما في سوق عمل أو عابرا في زمن رخاء؛ وإنما بوصفه جزءا من نسيج يومي، له كرامته ومكانته، وله من الحماية المعنوية ما يوازي حمايته القانونية.
وفي جملة قاطعة، وضع رئيس دولة الإمارات اللحظة في سياقها الحقيقي، دون تورية أو تلطيف قد يربك الوعي العام حينما قال "نحن في فترة حرب، وأوعدهم أننا نؤدي الواجب، لأن هذا فرضًا علينا لحماية أهلنا وبلدنا". واللافت هنا ليس توصيف المرحلة فقط، بل لغة الواجب “نؤدي الواجب” و“فرض علينا”. إنها مفردات تنقل مفهوم الدولة من “رد الفعل” إلى “منطق الالتزام”. فالقيادة لا تعد الناس بالطمأنة اللفظية، بل تربط الطمأنة بعمل واجب، وبحماية تُصاغ كتكليف لا كمزية.
وفي هذا الخطاب تحديدا تظهر ملامح مدرسة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان القيادية، حيث لا تضخيم يشتري التصفيق، ولا تهوين يشتري الارتياح المؤقت. هناك وضوح مقصود، لأن الوضوح في الأزمات هو أولى أدوات إدارة الخوف العام. أن تقول للناس الحقيقة ثم تعدهم بأداء الواجب، فهذا يزرع في المجتمع مناعة ضد الشائعات، ويحوّل القلق إلى ثقة منضبطة. ثم جاءت الفقرة الأكثر صرامة، الموجهة إلى “عدو الإمارات”، بلغة لا تقبل اللبس. أقرّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بأن ازدهار الدولة واستقرارها قد يبدوان مغريين للبعض، لكنه حذّر من خطأ القراءة ومن غواية السطح. ثم قال بلهجة حاسمة "الإمارات مغرية، الإمارات جميلة، الإمارات قدوة، لكن أقول لهم لا تغشكم الإمارات، ترى الإمارات جلدها غليظ ولحمتها مُرة، نحن ما نُؤكل، ونقوم بواجبنا تجاه بلادنا وأهلنا". تحليليًا، هذه ليست مجرد بلاغة؛ إنها معادلة ردع بصياغة شعبية عميقة. فهو يعترف بجاذبية النموذج الإماراتي “مغرية، جميلة، قدوة”، ثم يسحب من الخصم وهم الاستسهال “جلدها غليظ ولحمتها مُرة”. هنا يتحول المجاز إلى استراتيجية تواصل من أن الدولة التي تبدو ناعمة في رفاهها ليست رخوة في أمنها، والدولة التي تفتح أبوابها للعالم لا تفتح ثغراتها للعدوان.
الأشد أهمية في الكلمات الحاسمة للشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن الرسالة لم تُبنَ على التهديد الأجوف، بل على ثقة دولة تعرف وزنها، وتعرف أن الاستقرار ليس صدفة، وأن الازدهار ليس هدية مجانية، وأن حماية الوطن ليست شعارا، بل منظومة عمل. ولذلك جاءت العبارة “نحن ما نُؤكل” كخلاصة: لا مكان لفكرة العبث بأمن الإمارات أو اختبار صلابتها. في الإمارات، كمقيمين على أرضها الطاهرة نحن في ظل هذه الاعتداءات السافرة بحمى الرحمن، ومن بعده بحمى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وبعهدة القوات المسلحة الإماراتية الباسلة التي تفوقت وبامتياز في إسقاط وإفشال الاعتداءات الصاروخية وبنسبة تفوق المتوقع، وكرست تفوقا دفاعيا يجعلنا مطمئنين أن أرواحنا فعلا "أمانة" مصانة وأننا الأهل والضيوف بحمى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وعيال زايد وأخوة شما.
