We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

ثورة الثورات الله محبّة (بقلم جورج عبيد)

2 1 26
24.12.2018

"روح أفواهنا المسيح الرب" (إرمييا النبيّ)

أعظم ما في تاريخ الأديان والحضارات، السابقة والمعاصرة والحديثة، ما ظهر في المسيحيّة، أنّ الله محبّة، ولم ير على بهاء تلك الصفة إلاّ بتجسّد المسيح وموته وقيامته. ثورة الثورات في ملء التاريخ، أن الله خالق البشر والكون قد صار في الكون، قد ولد في التاريخ، بل صار وليد الإنسانية كلّها بإثمها وشقائها، بفضائلها ونقاوتها، فيها الزانية وفيها العذراء، فيها الطاهر وفيها الجزّار، لملم حطام البشر كما لملم في الخلق العظام كل واحدة إلى الأخرى، وجعل نفسه آتيًا منها، لتصير في التجسد وفي صيرورة التجسد نحو الصليب متكملة به ومولودة منه.

ليس من سرّ أعظم من هذا، وهو أن الله الذي لا يرى، والخالق المحجوب في مدى الأزليّة ومساحتها المضيئة، صار ممكنًا أن يرى بمسيحه وقد جعله أبوه مسيحنا أي وليد إنسانيتنا. جاء من جوهره، وهو ضياء مجده وشعاع أقنومه، ووجهه الكامل، ليصير بدوره وجهنا. أن يولد المسيح من مريم العذراء معنى هذا أن يقتبل أن تكون اإنسانية والدته ووليدته، فالولادة مزدوجة العناصر حيث الله يقبل إلى جبلته البشريّة ليجعلها قامة من نور، أي تصير نورًا من نور. هذا هو الانقلاب عينه، الجذريّ والحقيقيّ، على تاريخ ظهر الله فيه خالقًا ولكن الإنسانيّة لم تعرفه أبًا إلاّ بتجسّد ابنه الوحيد يسوع.

لماذا شاء أن يكون هنا؟ كلّ مسار التاريخ القديم، كشف أنّه لا بدّ أن يصير الله فيه. هذه "اللا بدّ"، محسومة في عقله ومحكومة بإرادته ومحتومة بتوجهاته. لقد شاء أن يولد من شقائنا وتعبنا، أن يولد في حروبنا وبؤسنا، ليس لأنّه شاء مصالحة الأرض بالسماء، بل شاء مصالحة الجنس البشريّ مع نفسه برباط السلام، أبه هو وليس بسواه. لقد أبطل سياج العداوة بميلاده "فالمسيح نفسه سلامنا" كما كتب بولس الرسول إلى أهل أفسس، وهو القائل عن نفسه: "أنا هو القيامة والحق والحياة". ثمّة ما كشفته المسيحيّة بالمسيح المتجسد، أنّه الحقّ والحياة، وفي معطى آخر، فالأيقونة تظهره من التجسّد إلى الصلب كليّ الجمال، ملؤه الخير والحقّ، وهذا عينًا ما يجعلنا نثق، بأنّ تلاقي الخير والحقّ........

© tayyar.org