لكي تنجح أجندة 2063 تحتاج أفريقيا إلى شركاء ملتزمين
مع انعقاد اجتماعات رؤساء الدول والحكومات في أديس أبابا، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل الطموحات الأفريقية الكبرى إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
وتطرح «أجندة 2063»، التي أعدّها الاتحاد الأفريقي بوصفها إطاراً استراتيجياً للنمو والتكامل الشاملين، رؤية واضحة وطموحة لمستقبل القارة. غير أن التحدي اليوم يتمثل في تحويل هذه الرؤية إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس. ويتطلب ذلك شراكات تقوم على منظور طويل الأمد للتنمية المستدامة.
وتعكس الشراكة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وأفريقيا هذا النهج؛ إذ تنظر إلى أفريقيا كشريك استراتيجي في صياغة نظام عالمي أكثر توازناً، وإلى شعوبها شركاء أساسيين في مواجهة التحديات المشتركة، بدءا من الأمن الغذائي إلى تغير المناخ.
وخلال العام الماضي، قمتُ بجولات ميدانية موسعة في مختلف أنحاء القارة، التقيتُ خلالها قادة حكومات ورواد أعمال وصناع سياسات يجمعهم هدف واضح: تحقيق نمو اقتصادي ملموس وقابل للقياس. وقد تكررت في مختلف الأسواق أولويات بعينها، في مقدمتها تعميق التكامل التجاري، وتسريع تطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات الطاقة، وتحسين إدارة الموارد المائية، بوصفها ركائز لا غنى عنها لنمو مستدام وشامل.
وتحظى أفريقيا اليوم باهتمام دولي متزايد يعكس حجم التحولات التي تشهدها، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام الشركاء المستعدين للانخراط في مسارها التنموي بعيد المدى. فمع تسجيلها أسرع معدلات نمو سكاني عالمياً، واتساع أسواقها الاستهلاكية، وتقدم مسار التكامل القاري عبر منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، تدخل القارة مرحلة جديدة من الاندماج الاقتصادي والطموح الصناعي.
وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الفرص قائمة، بل ما إذا كان أيّ الشركاء يمتلكون الاستعداد للاستثمار طويل الأجل، برؤية واضحة وأهداف محددة.
ولكي تؤتي الشراكات ثمارها، ينبغي مواءمة السياسات التجارية مع الاستثمارات في البنية التحتية، وتطوير قطاع الطاقة، وقطاعات النمو المستقبلية. كما أن اعتماد مقاربات متكاملة وعابرة للقطاعات يمثل شرطاً أساسياً لإحداث تحول هيكلي حقيقي. فالتنمية المستدامة لا تتحقق إلا من خلال أطر منسقة تربط بين رأس المال، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والمياه، والتكنولوجيا ضمن منظومة واحدة متكاملة.
وهذا هو النهج الذي حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على ترسيخه في مختلف أنحاء القارة، عبر شراكات قائمة على الثقة المتبادلة، والمصداقية، والرؤية المشتركة للتنمية المستدامة. واليوم، تحتل الإمارات موقعاً متقدماً بين المستثمرين العالميين في أفريقيا، بما يعكس عمق العلاقات الاقتصادية وصلابة الثقة المتبادلة.
وتعكس الاستثمارات الإماراتية في أفريقيا التي تجاوزت 110 مليارات دولار بين عامي 2019 و2023، منها أكثر من 70 مليار دولار في قطاعات الطاقة والطاقة النظيفة والمتجددة، التزام الإمارات بالتنمية طويلة الأجل والنمو المستدام.
وتظل التجارة محوراً رئيسياً في هذه العلاقة المتنامية. فخلال السنوات الأخيرة، أبرمت الإمارات 35 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة على مستوى العالم، من بينها اتفاقيات مع عشر اقتصادات أفريقية رئيسية. ولم تقتصر هذه الاتفاقيات على خفض الرسوم الجمركية، بل امتدت لتشمل التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والابتكار والاستثمار، إضافة إلى فتح قطاعات الخدمات أمام الشركات للاستفادة من فرص التوسع في أسواق جديدة.
وتؤكد المؤشرات التجارية فعالية هذا النهج؛ إذ سجلت التجارة مع كينيا نمواً غير مسبوق يعكس تصاعداً سنوياً مستقراً، فيما عززت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الموقعة حديثاً مع سيراليون مساراً متنامياً ومستداماً للتبادل الثنائي، بما يوسع نطاق الوصول إلى الأسواق ويعزز الشراكات طويلة الأجل، لا سيما عند دعمه بالتوافق التنظيمي وتحديث البنية اللوجستية.
وتشكل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية حجر الأساس في «أجندة 2063»، إذ تستهدف رفع مستوى التجارة البينية التي لا تزال في حدود 10 في المئة فقط، مقارنةً بأكثر من 60 في المئة في أوروبا وآسيا. غير أن التحدي لا يرتبط بغياب الطموح، بل بضعف الربط والبنية التحتية، حيث إن خفض الرسوم الجمركية وحده لا يكفي ما لم تُدعّم حركة السلع بشبكات نقل فعالة وعابرة للحدود.
ولعل هذا هو السبب في أن تولي الإمارات أولوية للاستثمار في الخدمات اللوجستية، ولا سيما الموانئ والطرق، بهدف ترسيخ أسس تجارة إقليمية أوسع وأكثر كفاءة.
ففي السنغال، يمثل ميناء ندايان، المدعوم باستثمار إماراتي بقيمة 1.2 مليار دولار، أكبر استثمار خاص في تاريخ البلاد، بما يعزز القدرات اللوجستية في غرب أفريقيا. وفي أنغولا، تستثمر مجموعة موانئ أبوظبي 380 مليون دولار لتوسعة محطة لواندا. كما تدعم الإمارات مشاريع طرق وري في كينيا ومالي عبر تمويلات ميسرة ضمن اتفاقيات ثنائية تهدف إلى تعزيز البنية التحتية، وتيسير التجارة، ودعم المرونة الاقتصادية.
وتبقى الطاقة عاملاً حاسماً في دعم ديناميكية ريادة الأعمال في أفريقيا. وفي هذا الإطار، أطلقت الإمارات مبادرات نوعية مثل «الاتحاد 7» لتوفير الكهرباء المتجددة لـ100 مليون شخص بحلول عام 2035، وبرنامج «مصدر» لأفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار لنشر 10 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى مبادرة الاستثمار الأخضر في أفريقيا بقيمة 4.5 مليارات دولار لدعم أكثر من 50 مشروعاً للطاقة النظيفة تشمل الطاقة الشمسية والرياح والحرارية الأرضية وتخزين البطاريات والهيدروجين الأخضر.
وفي توغو، طورت شركة «إيه إم إي إيه باور» محطة الشيخ محمد بن زايد للطاقة الشمسية بقدرة 50 ميغاواط لتزويد أكثر من 220 ألف منزل بالكهرباء، بينما ستوفر اتفاقية مزرعة «عائشة 1» لتوليد الطاقة من الرياح في إثيوبيا، الموقعة عام 2024، قدرة إنتاجية تبلغ 300 ميغاواط تكفي لتزويد أربعة ملايين منزل بالكهرباء.
وتجسد هذه المشاريع واسعة النطاق كيف يمكن للاستثمار في قطاع الطاقة أن يشكل رافعة أساسية للنمو طويل الأجل.
كما سيتحدد مستقبل النمو في أفريقيا بمدى اندماجها الفاعل في الاقتصاد الرقمي العالمي. ومن خلال مبادرة «تطوير الذكاء الاصطناعي في أفريقيا» بقيمة مليار دولار، التي أُطلقت خلال قمة مجموعة العشرين، تدعم الإمارات تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الخدمات الحكومية، ورفع الإنتاجية، بما يعزز موقع القارة كشريك فاعل في التقنيات الناشئة ويجعل التحول الرقمي رافعة للنمو الشامل.
ويشكل الأمن المائي بدوره ركيزة محورية في مسار التنمية المستدامة في أفريقيا، ويتصدر أولويات أجندة الاتحاد الأفريقي لهذا العام، التي تركز على "ضمان توافر المياه بصورة مستدامة وتوفير خدمات صرف صحي آمنة تحقيقاً لأهداف أجندة 2063".
وفي هذا الإطار، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تعزيز شراكاتها مع الدول الأفريقية لتسريع التقدم في القضايا الاستراتيجية المرتبطة بإدارة الموارد المائية. وبالتعاون مع السنغال، تشارك الإمارات في استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، والمقرر عقده في أبوظبي نهاية هذا العام.
وبذلك تتبلور ملامح رؤية طويلة الأجل لأفريقيا، ترتكز على تكامل تجاري مستدام، وتعزيز الروابط بين الشعوب، وتوسيع قدرات الطاقة، وبناء بنية تحتية مرنة، وترسيخ الجاهزية الرقمية، بوصفها عناصر حاسمة لتحقيق أهداف «أجندة 2063».
وتؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة التزامها الراسخ بدورها كشريك تنموي واستثماري موثوق للقارة، من خلال توجيه رؤوس الأموال نحو الأولويات الوطنية، ودعم رؤية مشتركة تقوم على الازدهار والاستقرار والنمو المستدام.
* نقلا عن موقع «سي إن بي سي أفريكا»
