We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

مقالة في الحضارة العربية الإسلامية [2]: نهضَة الكَتبة

2 0 43
24.12.2018

حينما شاء الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور أن يبني بغداد في مطلع العصر العباسي، جمع ثلاثة من أهم منجمي عصره سنة 762م لتصميم خريطة أبراج سماوية للمدينة الجديدة. كان هؤلاء المنجمون هم: الفارسي نوبخت الأهوازي (ت 775م) الذي سيتولى أولاده مناصبهم كمنجمين وفلكيين عند الأسرة العباسية للمئة عام اللاحقة، وثانيهم ماشاءالله بن أثرى الفارسي (ت 815م) الذي يعرف أيضاً بميشى بن أثرى اليهودي، وكان خراساني الأصل ممن ولدوا وماتوا في البصرة وترك سمعة فلكية جيدة، فكرّمه الغرب لاحقاً بتسمية فوهة بركان على سطح القمر باسمه، أما ثالثهم، فكان إبراهيم الفزاري (ت 777م) وهو العربي الوحيد بينهم (Saliba: 2007, p15).

لدينا ملاحظتان هنا. الأولى هي أن كلّاً من نوبخت وماشاءالله كانا على الأغلب يحملان الثقافة الفارسية والسريانية، وذلك لانحدارهما بالأصل من منطقة الأهواز الآرامية، وهناك احتمال كبير أنهما أيضاً كانا من أسر تتوارث هذه العلوم أو صنعة التنجيم. يتوافق هذا مع السردية الشائعة أن الحضارة العربية الإسلامية قامت على أكتاف سكان المراكز الحضارية النشطة للعصر الكلاسيكي المتأخر كالهلال الخصيب، إيران، مصر... إلخ. الملاحظة الثانية هي أن الخلفية الجيو-سياسية والإثنية لكلا العالمين تتفق مع فرضية ديميتري غوتاس أن الثورة العباسية قامت على عناصر ساسانية معادية أو غريبة عن التجربة البيزنطية الأرثوذكسية، ما يقوّي هذه الفرضية (راجع الجزء الأول).
لكن ماذا عن الفزاري وهو العالم العربي الوحيد بينهم، يتساءل هنا جورج صليبا؟ من أين له هذه المعرفة العلمية المتقدمة وهو العربي الذي يفترض أنه لا ينتمي إلى تراث علمي غني، خاصة أننا نتحدث عن حدث جرى في مطلع العصر العباسي، الذي يفترض أنه أطلق للتو مشاريع الترجمة والنهضة العلمية الإسلامية. كيف لحق الفزاري أن يتعلم ويقف على قدم المساواة مع علماء المجتمع الساساني السابق؟ وماذا لو علمنا أن الفزاري قد اقترن اسمه بعالم آخر هو يعقوب بن طارق (ت 796م ببغداد)، وقد ترجما معاً كتاب السندهند الفلكي من السنسكريتية، واشتركا معاً في تأليف كتاب «طريق الأفلاك»، فضلاً عما نسب إلى الفزاري من تصميم أسطرلاب جديد، وتأليفه كتاب زيج سيعرف باسمه. والزيج هو جداول بيانات وأرقام فلكية لمعرفة حركات الكواكب وسير النجوم ليعينهم على استخراج التقويم السنوي لجمع الخراج (راجع «القاموس المحيط»).
ظهور الفزاري كعربي في هذه الحقبة المبكرة، كعالم ومترجم، لا يتوافق والفكرة السائدة عن سيرورة حضارتنا. لكن الفزاري لم يكن العربي الوحيد في هذه الفترة المبكرة وفق السردية الشائعة، إنما كان هناك عربي آخر هو علي بن زياد التميمي الذي ترجم زيج شهريار من الفارسية للعربية (Saliba: 2007, p16)، فضلاً عن آخرين. إن هذه الأعمال والشخصيات العلمية تشير بوضوح إلى أنه في مطلع العصر العباسي أي منتصف القرن الثامن الميلادي، كان هناك أصلاً طبقة علمية عربية ناضجة ومجرّبة، موروثة من العصر الأموي! يخبرنا صليبا أنه لم يمر سوى أقل من قرن قبل أن تظهر ترجمات دقيقة جداً ومعقدة لأصعب نصين علميين يونانيين، كترجمة الحجاج بن مطر (عاش ببغداد حوالى 830م)، لكتابي «العناصر» لإقليدس و«المجسطي» لبطليموس (انتهى من ترجمة الأخير عام 829م) (Saliba: 2007, p17).
كانت هذه الترجمات أيضاً كاملة ومتطورة وبلغة علمية سليمة ويستحيل تحقيقها بجيل واحد أو اثنين، فمن المؤكد أنه كان هناك طبقات من المترجمين قبل حدوث الثورة العباسية لم تصل أخبارها إلى الجمهور غير المتخصص، فصدق مقولة بداية الثقافة العلمية العربية مع صعود الدولة العباسية. لكن لنعد لسؤالنا السابق: كيف ولماذا اهتم عرب القرن السابع أثناء الحقبة الراشدية والأموية بالعلوم؟ ما دوافعهم وما هي المشاكل التي صادفتهم، فأجبرتهم على طرق دروب العلم؟ لنبدأ بالصلاة.

العصر شرارة العلم
«إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا»، سورة النساء،
«حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ»، سورة البقرة.
تفرض الآيتان على المسلمين إقامة الصلوات في مواعيدها خاصة الوسطى (فسّرها أغلب جمهور المسلمين بصلاة العصر). يقول جورج صليبا إن المجتمع الإسلامي الأول في مكة والمدينة لم يجد صعوبة في تحديد موعد صلاة العصر، حيث كان يحدد وقتها بمعادلة بسيطة وهي قياس ظل الإنسان ليعادل طول قامته، ليمتد الوقت المتاح للصلاة حتى يصل طول ظل قامة الرجل مرتين. لكن ما إن استوطن المسلمون دمشق في القرن السابع الميلادي عقب الفتوحات، واجهوا مشكلة معرفة وقت الصلاة فيها، لأنه في بعض أيام السنة لم يكن الظل يعادل طول القامة، كما في الشتاء حيث يكون الظل طويلاً.
سبّب ذلك حرجاً دينياً وفكرياً لهذا المجتمع الفتي المنتصر حديثاً في الهلال الخصيب. هنا أجبرت الصلاة الوسطى وهي فرض ديني بسيط المسلمين على اللجوء إلى العلم، لاكتشاف معادلة علمية جديدة تسمح لهم بمعرفة أوقات الصلاة بدقة أينما أقاموا وفي كل فصول السنة. المشكلة أن العلوم اليونانية للعصر الذهبي وتلك البيزنطية والساسانية لم تواجه مثل هذه المعضلة العلمية، فما كانت لديها أجوبة جاهزة لها.علوم الديوان لم تكن لتجيب عن أسئلة المسلمين الأولى بخصوص طريقة حساب تحدد وقت صلاة العصر وسك العملة


من هذه اللحظة المبكرة للدولة الإسلامية، بدأت عجلة الجهد العلمي بالتدحرج، ومن حاجة رجال الدين ودعمهم. يمكن أن نتخيل كيف تكاتفت الجهود من القرن الأول الهجري، بين أهل العلم من عرب وسريان وفرس للبحث في الجغرافيا الرياضية التي فتحت لهم أبواباً علمية تشمل الرياضيات وعلم الفلك وحساب المثلثات والمثلثات الكروية القائمة الزاوية وأساليب جديدة في الإسقاط الرياضي (من محاضرة لجورج صليبا في مكتبة الإسكندرية سنة 2010).
ستتراكم هذه الجهود حتى تُوصلنا إلى العالم العباسي حبش الحاسب (الذي عاش حوالى سنة 850م في بغداد)، والذي طور وظائف جديدة للأسطرلاب في قياس المسافة من مكة لأي نقطة على وجه الأرض، والذي تحول بدوره إلى الأسطرلاب المسطح أو أسطرلاب حبش الذي حدد لهم في النهاية مواعيد الصلاة بدقة (Saliba: 2007, p19). طبعاً المتطلبات الإسلامية لم تقتصر على مسألة تحديد موعد الصلاة بدقة، إنما تعدّتها إلى متطلبات دينية أخرى تحتاج العلم، كتقسيم الإرث، وتحديد نسبة الخراج والضريبة كما يحددها الشرع وهذه كلها تحتاج إلى علوم رياضية وحتى فلكية.
يمكن الاستنتاج مما تقدم أن المجتمع الإسلامي وفقهاءه الأولين أدركوا منذ الوهلة الأولى قيمة العلوم، فلم يقمعوها، بل لمن لا يدري، لقد تطور الأمر حتى خرج أغلب العلماء الطبيعيين من صفوف الفقهاء أنفسهم. بمعنى: لم تأت الحضارة وفق سيناريو حب العلم للعلم أو وفق نظرية أن احتكاك (العرب البرابرة بالفرس المتحضرين) هو من أنشأ هذه الحضارة، أو أن العلم جاء رغم أنف الفقهاء، كما تُصوّر لنا السردية الشائعة!

أول الدنانير
سننتقل إلى خطوة أخرى في مسيرة العرب نحو بناء حضارتهم، إذ تنقل لنا كتب التراث عن حادثة مثيرة دفعت النخبة الحاكمة هذه المرة إلى توظيف العلوم لأغراض استراتيجية، وذلك عندما أدركت الخلافة الإسلامية في عصر عبد الملك بن مروان (685م -705م) في دمشق، أن الكرامة العقائدية واستقلالية الخلافة المالية مرهونة بالدنانير البيزنطية ذات الوزن الذهبي المضبوط، التي تُسك في القسطنطينية، ويتم تداولها بين كل الأمم كأساس للتعامل.
بدأت المشكلة حين رفض الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الثاني في فترة حكمه الأولى (685م – 695م) قبول الكتابة الإسلامية الجديدة على صدور الطوامير التي كانت تردهم من مصر. صدور الطوامير هذه كانت صحائف من البردي وكان عليها سابقاً مقولات مسيحية، فأمر عبد الملك بمسحها وكتابة «قل هو الله أحد» وذكر النبي مع التاريخ (يرى صليبا أن البسملة التي كتبها عبد الملك على هذه الصحائف هي التي استفزّت الإمبراطور).
رد الإمبراطور بتهديد الخليفة، إن لم يُزل هذه المقولة، فإنه سينقش على النقد البيزنطي ما لا يسر المسلمين. فهم عبد الملك ضعف الخلافة المالي وانكشافها أمام الروم، فاتّخذ قراراً ثورياً بتعليم المسلمين صنعة صهر الذهب وخلط المعادن لسك دينار عربي بدلاً من استعمال النقد البيزنطي، فكان لهم ذلك (كتاب «الأوائل» لأبو هلال العسكري، ص125). أشرف على هذا المشروع ابن عم الخليفة خالد بن يزيد، الذي كان له ولع في الكيمياء، وتم سك أول نقد إسلامي. يضيف ابن النديم هنا معلومة إضافية هي أن نص ابن يزيد كان أول ما ترجم من اليونانية والقبطية إلى العربية (Saliba: 2007, p45).
لتحليل هذا الحدث يبدو لي أولاً أن الإمبراطور كان محقاً على الأغلب في غضبه، لكن في ذات الوقت كانت خطوة عبد الملك في تلبية احتياجات الدولة العربية الإسلامية وتعلم أسرار خلط المعادن وسك العملة خطوة ثورية، إذ حقّقت للمسلمين استقلالاً مالياً ونقداً موزوناً سيتم تداوله عالمياً، ولم تكن هذه الخطوة يسيرة، فقد استغرق إنجازها قرابة أربعة أعوام (يراجع مقال أنيس الأبيض في صحيفة «الحياة» 8 شباط 2014).

تعريب الدواوين، فتح الفتوح
سيكون تعريب الدواوين الخطوة الكبرى نحو خلق ثقافة علمية عربية، وجاء التعريب من حاجة الخلافة السياسية، حسب سردية ابن النديم (ت 990م)، التي عبر عنها ضمناً. تبدأ القصة من عراق الحجاج بن يوسف الثقفي (694م – 714م)، إذ كان هناك نخبة إدارية فارسية متخصّصة بشؤون الديوان لا تقبل أن ينافسها العرب، فلم يقبلوا نقله إلى العربية، فمتى تعرب الديوان، صار متاحاً لأبناء العرب، وزاحموا به الفرس على آخر موقع قوي لهم في هرم الدولة.
يظهر مدى الاحتكار الفارسي لأعمال الديوان عبر حرص كل من زادان فروخ بن بيري كبير الكتبة، وولده مردناشاه على منع الموظف الفارسي المستعرب صالح بن عبد الرحمن (وكان مولى لبني تميم) المقرب من الحجاج من تنفيذ رغبة الوالي بترجمة الديوان. يظهر من سياق حديث فروخ قوة موقفه إذ تباهى أمام صالح بأن الحجاج غير قادر على التفريط به بقوله: «هو إليّ أحوج مني إليه، لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري» (الفهرست، ص 338)، (Saliba: 2007).
لكن تشاء الظروف أن يقتل زادان فروخ بن بيري في ثورة ابن الأشعث حوالى 704م فكان ذلك خسارة لا تعوض بالنسبة إلى الديوان، فيتدارك الحجاج حراجة الموقف ويأتي بصالح ويحقق معه، ليعترف له الأخير بمؤامرة موظفي الديوان، فيمهله الحجاج وقتاً ليعرّب الديوان. تدخلت طبقة موظفي الديوان الفارسية مرة أخرى وسعت لثني صالح ورشوته بمبلغ هائل، لكن صالح أصر على موقفه، فتم للحجاج ما يريد (Saliba: 2007, p45).
ما أُنجز في العراق انتقل إلى الشام عندما أراد عبد الملك تعريب دواوينها من الرومية (أي اليونانية)، وطلب من كاتبه منصور بن سرجون أن يقوم بالمهمة، فتراخى ابن سرجون وتثاقل حتى مات الخليفة. فتأخر تعريب ديوان الشام حتى عصر هشام بن عبد الملك (724م – 743م)، عندما تطوع أبو ثابت سليمان بن سعد مولى حسين وكان كاتباً عند عبد الملك لتعريبه (Saliba: 2007, p45) (الفهرست، ص 339).

ما هي علوم الديوان؟
بالنسبة إلي لم يشرح أحد أهمية تعريب الديوان كجورج صليبا، إذ كانت تمر بنا هذه الخطوة الهائلة في حضارتنا مرور الكرام، ونرددها كالببغاوات دون أن نعي ما تعني. تعريب الديوان الذي قصده ابن النديم ولم يكن واضحاً فيه هو تعريب ديوان الحساب لا ديوان السجلات الحكومية الذي يحفظ أسماء الجند ومعايشهم، كما يخبرنا الجهشياري (ت 943م ببغداد). ديوان السجلات والمعايش هو الديوان الذي أنشأه عمر بن الخطاب (634م – 644م)، وكان أصلاً بالعربية، أما ديوان الحساب المخصص لوجوه الأموال، فكان بالفارسية (كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري: ص38)، (Saliba: 2007).
كان يفترض من ديوان الحساب أن يشرف على حساب الخراج ونسبته، فكان يقوم بعمليات تحتاج مهارات حسابية معيّنة لمسح الأملاك والأراضي العقارية، وإعادة مسحها في حال تحولها لإرث. فضلاً عن حساب الوقت في السنة الشمسية من موظف الديوان لمعرفة متى تُجبى الضرائب، وكان على هذا الموظف أن يلمّ بعلوم الفلك لينسّق بين حسابه للسنة الشمسية والقمرية وهو لم يكن أمراً سهلاً، إضافة........

© الأخبار