We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

من الإحباطِ المسيحيّ إلى العَدَميّةِ اللبنانيّة

2 1 3
17.12.2018

لا يَستغني أيُّ نظامٍ سياسيٍّ عن أزَمات، ويأخذُ بعضُها طابَعًا دستوريًّا. في الدولِ المتحَضِّرةِ كلُّ أزمةٍ تَجِدُ حلًّا من خلالِ الدستورِ والقوانين وآليّاتِ النظامِ، ديمقراطيًّا كان أو ديكتاتوريًّا. في لبنان تبقى الأزماتُ، دستوريّةً كانت أو سياسيّةً، عصيّةً على الحلّ، لأنّها تَنبُت خارجَ النظامِ (في الطوائف والسفارات والدول) ثم تَتسلّلُ إليه وتُقدِّم نفسَها جُزءًا منه. لكنها في الوقت ذاته، تَلفِظُ المعالجاتِ التي توفِّرها لها آليّاتُ النظام. كلُّ أزْمةٍ هي بمثابةِ اعتداء خارجيّ.

نَستَنتج، للوهلةِ الأولى، أنَّ النظامَ اللبنانيَّ صالحٌ وبريءٌ من الأزَماتِ طالما أنَّها دخيلةٌ عليه. لكنْ، سُرعانَ ما نَكتشِفُ أنَّ النظامَ معنيٌّ بها مباشَرةً لأنّه بات: أصغرَ من التعدديّةِ اللبنانيّة، وأضيَقَ من الولاءاتِ المتناقِضةِ، وأعجزَ من أنْ يَـمنعَ تَسرُّبَ الأزَماتِ الطارئةِ إليه، وأضعَفَ من أنْ يَستوعِبَ التغيّراتِ الناتجةَ عن الحروبِ المتراكِمة.

وتتأكّدُ «مسؤوليةُ» النظامِ حين يَتبيّن أنَّ مُفتعلي الأزَماتِ يَستهدفونَه بما يـُمثِّل من دولةٍ ودستورٍ وأعرافٍ ميثاقيّة، من أجلِ دَبْلجةِ دولةٍ جديدةٍ لا يَجرؤون، بعدُ، على تحديدِ مواصفاتِها المستَترةِ وهوّيتِها الـمُضمَرة، لا بل يذهبون حتى اعتبارِ الدستورِ مصدرَ الأزَماتِ، فيما هو مبدئيًّا مصدرَ الحلول. وما يُساعدهم في هذه اللُعبةِ الخطرةِ أنَّ دستورَ «الطائف» ملغومٌ ـ قصدًا ـ ببنودٍ وفَقراتٍ متناقِضةٍ وغامِضةٍ تَحتمِلُ التأويلَ والاجتهادَ.

وأصلًا، كلُّ التحصيناتِ الدستوريّةِ التي عزَّزت الكِيانَ اللبنانيَّ منذ تأسيسٍه بَقيت موضِعيّةً وظرفيّة: وثيقةُ «الميثاقِ الوطنيّ» صيغت أدبيًّا لتمريرِ إنهاءِ الانتدابِ الفرنسيِّ سياسيًّا من دون تثبيتِ........

© العنكبوت