We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

القمني من شرفة الإهداء

3 0 15
05.12.2018

قد يخطر على بال القارئ لدى قراءته عنوان مقالتنا أنّ الإهداء، مقارنةً بالنص بأكمله، يشغل مساحة ضئيلة تجعل من غير الممكن الانطلاق منه لتحديد معنى النص. وهذا انتقاد وجيه، لكن إلى حدّ. فالنص لا يحضر بحالته المجرّدة، على ما يؤكده جيرار جينيت دائماً، بل يكون مصحوباً بـ«عتبات» (أو ما يدعوه النص الموازي) هي التي تُحدِّد حالته ككتاب. وهي التي تشرط «تلقيه» و«استهلاكه»، وفق مصطلح جينيت، وتوفّر للقارئ إمكان الدخول إليه. لكن هذا النص الموازي يرتبط في نهاية المطاف بعرى وثيقة مع النص الأصلي، ليسلط الضوء أو ليحدد المدخل، تبعاً للمعنى الحرفي لمفهوم العتبة. وكما فعلنا في مقالتنا حول الإهداء في كتابات الجابري، سنحاول أن نعد الإهداء بمنزلة شرفةٍ نطل منها أيضاً على كتابات سيّد القمني. يكتب القمني في إهداء كتابه «أهل الدين والديمقراطية»: «إلى عراقنا الآتي قاطرة للمستقبل». لننظر إلى الصورة أولاً. طُبِع هذا الكتاب سنة 2005، لذا إن العراق ـــ القاطرة المقصود في الإهداء هو العراق الذي كان يعيش في زمن مغلق، بسبب الاستبداد، وبات الآن يعيش في زمن مفتوحٍ بفضل الاحتلال الرأسمالي الغربي الأميركي. بالإضافة إلى ذلك، كلمة قاطرة تعني عربة تُقطر بها عربات، أي إن العراق أصبح إذاً حرّاً ديموقراطياً، بفعل التحرير الرأسمالي الأميركي، ونموذجاً على الدول العربية أن تحذو حذوه. هل تفكيكنا للإهداء يقارب الصواب؟

يبدو أن نصوص القمني واضحة في تأكيد القراءة السابقة؛ ففي كتابه ذاته (أهل الدين.. والديموقراطية)، وفي معرض تهكمه على دعاء أهل الدين ورجاله، خصوصاً الدعاء على أميركا، يكتب متهكماً عارضاً النتائج المخالفة لدعائهم: «مع مزيد من الدعاء انهارت ليبيا تقبيلاً على أيدي سادة الأرض في انحناء مذل، «فسبحان المعز المذل»، هذا ناهيك عن جلوس الحاكم الأميركي في عاصمة الخلافة ليسمح للشعب العراقي بكل ما سبق أن حرمه إياه نظام صدام حسين الوطني!» (1). فالجماهيرية الليبية استجابت للأوامر الغربية ـــ الأميركية، فتخلى نظامها عن سلاحه الاستراتيجي بشكل مذل، والأهم في قول القمني هو أن الاحتلال الأميركي للعراق حمل معه الحرية والديموقراطية والعيش الكريم للشعب العراقي، بعد أن كان محروماً إياها بسبب الاستبداد، وبالتالي نستطيع القول إن جرائم هذا الاحتلال والفظائع التي ارتكبها ما هي إلا ثمن للتقدم والحرية. لكن هذا المشروع الديموقراطي العلماني الذي بدأ يسري في العراق، وفقاً لتوصيف القمني، انقلب إلى كابوس، والسبب في ذلك الدول المحيطة بالعراق التي سهلت عمل المقاومة العراقية، ما دفع بالأميركي للعودة إلى حلفائه القدامى من جنرالات وملوك.
يكتب القمني في كتابه «انتكاسة المسلمين إلى الوثنية»: «وفي حالة من الفجر العلني دعمت كل دول المحيط لكل ما استطاع إليه سبيلاً، ما أسموه المقاومة العراقية [...] ليتحول مشروع الحلم الديموقراطي العلماني إلى كابوس على المنطقة جميعاً» (2). فما قامت به قوى الاحتلال من تدمير للدولة العراقية ومؤسساتها ومن تعميق لتخلع البنية الاجتماعية العراقية وما أقرته بالتعاون مع التيارات السياسية الحليفة لها من قوانين للمحاصصة الطائفية والقومية، ذلك كله عدّه القمني مشروعاً ديموقراطياً علمانياً. لا يقف القمني عند هذا الحد، بل يرى في الإمبريالية الأميركية نموذجاً يقيس على أساسه تجارب الشعوب في الماضي والحاضر. هكذا، في سياق عرضه لما يعدّه وحشية الاحتلال الإسلامي لمصر، ميّز بين نوعين من الاحتلال: احتلال يحرر ويولّد التقدم، ونموذجه الاستعمار الأميركي، وآخر همجي ووحشي ينشر التخلف، ونموذجه الاحتلال الإسلامي. والحال أنه لم يجد في تاريخنا سوى حالة واحدة مطابقة للنموذج الأميركي الكولونيالي وتتمثل بالاستعمار المصري الفرعوني. يكتب في هذا الصدد: «لم يحتل المصري بلداً آخر ليستقر فيه ويسكن ويستوطن، لأنه كان عاشقاً لوطنه [...] لذلك كانت سياسة مصر الاستعمارية تقوم بعد الاحتلال على إقامة حكام يدينون لها بالولاء [...] ليعود الفرعون وجيشه إلى مصرهم، ومعهم أبناء هؤلاء الملوك الخاضعين، ليتربوا في قصور الفرعون ويتعلموا بعلم مصر وفنونها، ليعودوا ويرتقوا بشعوبهم البدوية» (3).
ويضيف ليوضح لنا أن هذه الحالة مطابقة للنموذج: «إنه فعل الإمبراطوريات الحضارية منذ دولة مصر الثالثة. إنها التجربة المصرية الفريدة والسياسة التي تتبعها كبرى دول العالم اليوم «أمريكا»» (4). فضلاً عن ذلك، يذهب القمني بعيداً في تمجيد النموذج الرأسمالي الأميركي. ففي سياق سرده لأوهام أهل الدين، يرى أن الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي هما من يمنع العدو الصهيوني من اجتياح الدول العربية، يكتب بصراحة: «مع عدم ملاحظتنا أنه لو رفعت أميركا يدها عن إسرائيل هي وبقية ذلك العالم الحر الذي نكرهه، لعربدت إسرائيل وساحت في المنطقة كيفما شاءت ودون رادع يردعها. وهو أمر جدير بالنظر والاعتبار من جانبنا بشأن أميركا والضمير الحر» (5). الحقيقة التي يُغيبها القمني هنا هي أن العدو الصهيوني لم يشن حرباً على العرب إلا بناءً على........

© الأخبار