هندسة الفساد: معضلة الإصلاح في الأنظمة الفاسدة
عندما يقوم نظام مجتمعي على أُسُسِ الفساد، فلا يمكن القول إنّ الهدف هو تحسين المجتمع، كما لا يمكن إطلاق شعارات إصلاحية؛ لأنّه في الواقع يستحيل التغيير، كون مهندسي هذه المنظومة جعلوها فعّالة، وتؤدّي إلى النتيجة المرسومة، مهما حاول البعض الإصلاح أو مكافحة الانحراف.
فالنظام الفاسد يُبنى بطريقة تجعله يعمل ويفرز الفساد تلقائياً حتى لو كان المسؤولون فيه ملائكة؛ لأنّهم لن يتمكنوا من تبيُّن مفاصله الحقيقية، وإن ضبطوا بعض المخالفات. ففي أنظمة كهذه، إذا ما كان شخص في سُدَّة المسؤولية نزيهاً، تذهب حصة الكسب غير المشروع التي كانت من نصيبه تلقائياً إلى غيره، فرفضه الانغماس في هذه الممارسات لن يعني أبداً إبطال المنظومة أو تقويضها.
«آليات دفاع ذاتي» للمنظومة الفاسدة
هنا تكمن المعضلة الكبرى؛ فالمنظومة الفاسدة لا تكتفي بإفراز الانحراف، بل تملك «آليات دفاع ذاتي»، تجعلها تطرد الأجسام الغريبة عنها، أو تطحنها وتلفظها خارجاً إن هي أصرَّت على استقامتها. وفي أفضل الأحوال، يتحوَّل الشخص النزيه داخل هذا التركيب الهندسي الخبيث - من دون وعي منه - إلى مجرّد «واجهة تجميلية» تمنح النظام صك غفران زائف، وتُستغل لتسكين الغضب الشعبي وتمرير الممارسات ذاتها، بينما تستمر العصابة........
