menu_open Columnists
We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close

حين سقط القناع.. الإمارات ربحت معركة الردع وقبلها معركة الفرز الأخلاقي والسياسي

38 0
previous day

لم يكن العدوان الإيراني الغاشم على الإمارات امتحانًا عسكريًا فحسب، بل كان امتحانًا أشمل: امتحانًا لصلابة الدولة، ولتماسك المجتمع، ولصدق الحلفاء، ولحقيقة الخطابات التي طالما ادّعت الأخوة أو العروبة أو نصرة القضايا الكبرى.

 وقد خرجت الإمارات من هذا الامتحان بنتيجة مزدوجة: انتصرت في الميدان حين أفشلت موجات الهجوم، وانتصرت في المعنى حين كشفت من يصطف مع الحق صراحة، ومن يهرب إلى المنطقة الرمادية، ومن يستثمر في الالتباس، ومن يلبس ثوب “الوساطة” وهو يعجز حتى عن تسمية المعتدي باسمه. والثابت وفق البيانات الإماراتية المعلنة حتى 8 أبريل/نيسان 2026 أن الدفاعات الجوية الإماراتية تعاملت منذ بدء الاعتداءات الإيرانية مع 520 صاروخًا باليستيًا و26 صاروخًا جوالًا و2221 طائرة مسيّرة، كما بلغ إجمالي الشهداء شهيدين من العسكريين، إضافة إلى مدني مغربي متعاقد مع القوات المسلحة، وبلغ إجمالي القتلى المدنيين 10 من جنسيات متعددة، فيما بلغ إجمالي الإصابات 221 إصابة. وهذه هي الأرقام الأحدث المتداولة في البيانات المنسوبة إلى وزارة الدفاع الإماراتية ووكالة الأنباء الرسمية، وهي تصحح الأرقام الأدنى التي كانت منشورة قبل يوم واحد فقط. 

وإذا كان بعض الناس يختزل الانتصار في إسقاط الصاروخ قبل أن يصيب هدفه، فإن التجربة الإماراتية أثبتت أن الانتصار الأعمق هو أن يفشل العدو في إصابة فكرة الدولة نفسها. لقد أرادت إيران أن تضرب الإمارات ليس فقط لأنها طرف متضرر من مشروعها التخريبي، بل لأنها تمثل نموذجًا يثير ضيق هذا المشروع: دولة عربية سنية الهوية الحضارية، لكنها لا تُبنى على العصبية؛ دولة قوية، لكنها لا تعيش على تعبئة مذهبية؛ دولة ناجحة في الاقتصاد والأمن والعمران، لكنها كذلك ناجحة في استضافة التنوع البشري والديني والثقافي. ولهذا كان الاستهداف في جوهره استهدافًا لنموذج سياسي واجتماعي ناجح، لا لموقع جغرافي فحسب. وقد شددت الخارجية الإماراتية نفسها على أن الدولة تحتضن أكثر من 200 جنسية، وعلى أن الجالية الإيرانية في الإمارات “محترمة ومقدّرة”، وهو تمييز بالغ الأهمية بين رفض العدوان الإيراني من جهة، ورفض السقوط في كراهية الشعوب من جهة أخرى. 

ومن هنا ينبغي أن يُقال الأمر بوضوح: هذا العدوان لم يفضح إيران وحدها، بل فضح خريطة المواقف حول الإمارات والخليج. لقد ميّز بين صديق حقيقي يعرف أن السيادة لا تتجزأ، فيستنكر العدوان بغير مواربة، ويعرض الدعم الأمني والسياسي والعملي، وبين من كنا نظنه أقرب إلينا من جهة الدين أو العروبة أو التاريخ، فإذا به يكتفي ببيانات باهتة، أو يستثني الإمارات من لهجة التضامن الصريح، أو يلوذ بمصطلحات فضفاضة من نوع “خفض التصعيد” و“ضبط النفس” و“الوساطة”، كأن المشكلة ليست صواريخ ومسيرات إيرانية تنهال على المدن والمنشآت، بل مجرد سوء تفاهم بين أطراف متكافئة. والثابت أن دولًا عديدة وقفت في صف الإدانة الصريحة، سواء في البيانات العربية والإسلامية المشتركة التي طالبت إيران بوقف الهجمات واحترام القانون الدولي، أو في المواقف الدولية المرتبطة بأمن الملاحة وحرية العبور في مضيق هرمز. كما برز دعم فرنسي عملي لفكرة تأمين الملاحة ضمن جهد دولي يضم أكثر من 15 دولة، في مقابل قوى إقليمية أخرى اختارت أن تتموضع أساسًا في خانة الوساطة بين واشنطن وطهران. 

وهنا يتبدى الفارق بين الحليف والمتفرج المموَّه. الحليف لا يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه. الحليف لا يجعل من دم الإماراتيين والمقيمين على أرضهم ورقةً لتلميع دوره الإقليمي. الحليف لا يتحدث عن “ضرورة التهدئة” قبل أن يقول كلمة واضحة: إن ما وقع عدوان إيراني صريح على دول ذات سيادة. أما من يسارع إلى لعب دور الوسيط وهو لم يُحسن أولًا القيام بواجب الإدانة الأخلاقية، فإنه لا يطفئ الحريق، بل يؤجل تسمية من أشعله. والوساطة، في ميزان السياسة الرشيدة، ليست منزلة أعلى من الحقيقة؛ بل لا قيمة لها حين تصبح ستارًا على الخوف أو حسابات التوازن أو ابتزاز المواقف.

ثم إن هذا العدوان أسقط أيضًا كثيرًا من الأقنعة الأيديولوجية، وفضح جماعات الإسلام السياسي التي طالما قدّمت نفسها باعتبارها نصيرًا للأمة، فإذا بها عند الاختبار الحقيقي تنحاز ــ تصريحًا أو تلميحًا أو بالصمت المتواطئ ــ إلى دولة الولي الفقيه ضد دولها الوطنية واستقرار مجتمعاتها. والمشهد الأوضح هنا ليس فقط في البيانات، بل في البنية الخطابية نفسها: تقديم الصراع دومًا من زاوية العداء لأمريكا أو إسرائيل، ثم تذويب العدوان الإيراني على الخليج في خطاب عام عن “التعقيد” و“تشابك الملفات” و“المنطقة المشتعلة”. هكذا يُمحى اسم الضحية، ويُعاد تدوير المعتدي في صورة “فاعل مقاوم”، وتُختزل سيادة الدول العربية إلى مجرد تفصيل جانبي في سردية أكبر تصوغها الأيديولوجيا. ولا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليرى هذا الميل في بعض المنابر القريبة من الإخوان أو الإسلام السياسي، حيث تنقل التهديدات الإيرانية وتعيد إنتاج رواية “المقاومة” أكثر مما تنشغل بإدانة القصف الإيراني المباشر على العواصم الخليجية. 

والأخطر من ذلك أن العدوان الإيراني نفسه فضح كذبة الدعاية التي تربط مشروع طهران دائمًا بفلسطين والقدس والأقصى. فالوقائع التفاوضية التي خرجت إلى العلن بشأن الهدنة المؤقتة والمفاوضات المرتقبة في إسلام آباد دارت حول ثلاثة عناوين رئيسية: وقف إطلاق النار المؤقت، وضمان الملاحة وفتح مضيق هرمز، والانتقال إلى تفاوض نهائي خلال أسبوعين. كما أن البنود المتداولة في المسار التفاوضي تركز على العقوبات وهرمز والتعويضات والوجود العسكري والترتيبات الأمنية. أما فلسطين وغزة والقدس والأقصى، التي يملأ بها المتأيرنون الفضاء العربي صراخًا، فلم تظهر بوصفها مركز التفاوض ولا شرطه الحاكم في الصيغ المتداولة علنًا. ولذلك فإن من أكبر مفارقات هذه الحرب أن النظام الإيراني قصف الإمارات والخليج بالصواريخ والمسيّرات، ثم فاوض على المضيق والعقوبات والنفوذ، بينما استمر بعض العرب في تسويق ذلك كله بوصفه “انتصارًا لفلسطين”. 

أما البيان الإيراني الذي يحاول تحويل الكلفة الهائلة إلى “نصر تاريخي”، فهو نموذج كلاسيكي لدعاية الهروب إلى اللغة حين تعجز الوقائع عن الإسناد. فالمصادر الموثوقة تتحدث عن هدنة لأسبوعين بوساطة باكستانية، وعن بدء مفاوضات في إسلام آباد يوم 10 أبريل/نيسان 2026، وعن ترتيبات مؤقتة مرتبطة بالملاحة والتهدئة، لا عن استسلام أمريكي كامل ولا عن تثبيت قانوني شامل لرؤية طهران. لهذا فإن تصوير ما جرى على أنه “إذعان كامل” من واشنطن لا يسنده، حتى الآن، ما نُشر من تقارير دولية ذات صدقية. الحقيقة الأقرب إلى الواقع أن هناك إخراجًا تفاوضيًا مؤقتًا لجولة مكلفة على الجميع، لا “تتويجًا تاريخيًا” لرواية الانتصار الإيراني المعلَن. 

إن الذي انتصر في الإمارات ليس فقط منظومة الدفاع الجوي، وإن كانت قد أدت دورًا حاسمًا؛ بل انتصر كذلك العقد الوطني الإماراتي: العلاقة بين القيادة والشعب والمقيم، والثقة بالمؤسسات، والقدرة على تحويل التنوع السكاني إلى تضامن مدني، لا إلى ذعر اجتماعي أو شروخ داخلية. لقد أرادت إيران أن تضرب الأمن، فكشفت قوة الدولة. وأرادت أن تربك الداخل، فكشفت تلاحم المجتمع. وأرادت أن تخيف المقيمين، فكشفت أن الإمارات لم تعد مجرد دولة إقامة أو عمل، بل وطن أمان يشعر من يعيش فيه أنه جزء من مصيره. وهنا يكون معنى العبارة التي تختصر فلسفة القيادة: لسنا مجتمعًا يتفرق تحت القصف، بل دولة يشتد نسيجها تحت الخطر.

والخلاصة أن الإمارات ربحت ثلاث معارك في آن واحد: ربحت معركة الردع بإفشال مئات الصواريخ وآلاف المسيّرات، وربحت معركة السردية حين منعت المعتدي من تحويل الضحية إلى متهم، وربحت معركة الفرز حين عرفت من يقف معها بصدق، ومن يلوذ بالغموض، ومن تفضحه الأيديولوجيا مهما تزيّن بمفردات الأخوة والدين والعروبة. وفي أزمنة الاضطراب، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تكشفه الشدائد من معدنها. والإمارات، قيادةً وشعبًا ومقيمين، خرجت من هذه الشدة أصلب عودًا، أوضح بصيرة، وأصدق يقينًا بأن الدولة التي تبني الإنسان والمؤسسات والثقة العامة، تصير أصعب على الكسر من أي هدف على الخريطة. 

ثلاثة أسئلة تفرض نفسها بعد هذه الجولة: من هو الحليف الحقيقي حين تُختبر السيادة بالنار لا بالشعارات؟ وكيف يمكن بعد اليوم الوثوق بخطاب يرفع فلسطين ثم يصمت عن صواريخ إيران على الخليج؟ ثم أليس أوان الانتقال من مجاملة المنطقة الرمادية إلى تسمية الأشياء بأسمائها: عدوانًا حين يكون عدوانًا، واصطفافًا حين يكون اصطفافًا، وخيانةً للوعي حين يُراد للهزيمة أن تُسوَّق انتصارًا؟


© العين الإخبارية