إيران.. مجتبى أو مختبى!
إيران تبدو اليوم كقوةٍ أنهكتها أسطورتها أكثر مما أنهكتها الحرب، فالدولة التي بنت سرديتها الاستراتيجية لعقود على فكرة أنها شرطي الخليج، ما زالت أسيرة هذه الصورة المتضخمة عن نفسها.
إنها (إيران)، غير قادرة لا على المدى المتوسط ولا حتى البعيد على النظر إلى ذاتها خارج هذه المرآة القديمة التي تعود إلى زمن آخر وسياق دولي مختلف.
هذه ليست مجرد مشكلة في الحسابات العسكرية أو في إدارة الأزمات الإقليمية، بل أزمة أعمق في العقل السياسي الإيراني الذي ما زال غارقاً في ماضوية ثقيلة، يتصرف وكأن التاريخ توقف عند لحظة الثورة أو حتى قبلها عند زمن الشاه، حين كانت إيران توصف بالفعل في الاستراتيجية الأمريكية بأنها شرطي الخليج.
غير أن النظام الذي جاء بعد الثورة ورث الفكرة، لكنه لم يرث الشروط التي جعلتها ممكنة، ففي زمن الشاه كانت إيران جزءاً من منظومة أمنية غربية واضحة المعالم، وكانت التوازنات الدولية تسمح بمثل هذا الدور بعد الحرب العالمية الثانية، أما اليوم فإن إيران تحاول أداء الدور ذاته لكنها تفعل ذلك من خارج النظام الدولي لا من داخله، ومن دون الأدوات الاقتصادية والسياسية التي تجعل من الطموح قوة مستقرة.
لهذا تبدو إيران كدولة تحاول أن تعيش داخل أسطورة صنعتها بنفسها، فهي تتحدث بلغة الحارس، وتتحرك بلغة الوصي، وتتعامل مع الخليج وكأنه مجالها الحيوي الطبيعي، بينما الواقع الإقليمي تغيّر جذرياً خلال نصف قرن، فالدول الخليجية التي كانت تُنظر إليها يوماً باعتبارها كيانات صغيرة في ظل العملاق الإيراني تحولت إلى مراكز قوة اقتصادية واستراتيجية، تبني شبكات تحالف دولية معقدة، وتعيد تعريف الخليج بوصفه فضاءً متعدد الأقطاب لا حديقة خلفية لدولة واحدة.
ومع ذلك، ما زال الخطاب الإيراني يعيش في زمن آخر، زمنٍ ترى فيه طهران نفسها القوة الطبيعية التي يجب أن تُطاع في هذه الجغرافيا، المشكلة هنا ليست في الطموح، فكل دولة تسعى إلى توسيع نفوذها، بل في الفجوة الهائلة بين الصورة التي ترى بها إيران نفسها والصورة التي يراها بها جيرانها والعالم، فبينما ترى طهران نفسها حارس الإقليم، يراها كثيرون مصدر قلق دائم للاستقرار.
هذا التناقض هو ما يفسر الكثير من توترات المنطقة، فالدولة التي تعتقد أنها شرطي الإقليم لا تستطيع أن تتصرف كدولة طبيعية داخل نظام إقليمي قائم على التوازن، إنها تحتاج دائماً إلى إثبات دورها، ولو عبر الأزمات، ومن هنا جاء توسعها في بناء شبكات النفوذ غير المباشر عبر المليشيات الممتدة من لبنان إلى العراق وصولاً إلى اليمن.
لقد كانت هذه الشبكات محاولة لتعويض ما لا تستطيع إيران تحقيقه كدولة طبيعية داخل منظومة إقليمية حديثة، غير أن هذه الاستراتيجية، رغم قدرتها على خلق النفوذ، لا تستطيع بناء الاستقرار. فالقوة التي تعتمد على الوكلاء أكثر مما تعتمد على الدولة نفسها تبقى دائماً عرضة للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
المفارقة الأكثر قسوة لا تكمن فقط في السياسة الخارجية، بل في الثمن الذي دفعه الشعب الإيراني نفسه، فالغرق في هذه الماضوية الأسطورية لم يخلق لإيران نفوذاً مستداماً، بل خلق أزمات طاحنة داخل المجتمع الإيراني، بلد يمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، ويملك موقعاً جغرافياً استثنائياً وثروة بشرية وتعليمية كبيرة، تحوّل إلى اقتصاد يرزح تحت العقوبات والانكماش، وشعب يعيش دورات متكررة من التضخم والبطالة والاحتجاجات.
المشكلة لم تكن يوماً في فقر الموارد، بل في فقر الرؤية السياسية التي فضّلت الاستثمار في الأساطير الجيوسياسية على حساب بناء الدولة الحديثة.
أخطر ما في العقل الاستراتيجي الإيراني ليس طموحه الإقليمي، بل عجزه عن مراجعة نفسه، فالدول العاقلة تعيد تعريف دورها عندما تتغير الظروف، أما الدول التي تسكنها الأساطير فإنها تستمر في تمثيل الدور ذاته حتى بعد أن يتغير المسرح والجمهور والقواعد.
ولهذا تبدو إيران اليوم كقوة تصر على ارتداء زيّ شرطيٍ لم يعد أحد يعترف بشرعيته، والأسوأ من ذلك أن هذا الإصرار لا يضر بالإقليم فقط، بل يضر قبل كل شيء بالشعب الإيراني نفسه الذي يجد بلاده، بكل ثرواتها وإمكاناتها، غارقة في أزمات كان يمكن تجنبها لو أن طهران قررت يوماً أن تنظر إلى نفسها كدولة طبيعية في الخليج لا كإمبراطورية أسطورية.
فالجغرافيا لا تعترف بالأوهام، والتاريخ لا يدار بالحنين إلى الماضي، وفي لحظة ما، ستجد إيران نفسها مضطرة إلى مواجهة الحقيقة القاسية بأن الخليج لم يعد ينتظر شرطياً، وأن الشعوب لا تعيش على الأساطير بل على التنمية والاستقرار.
الخميني ثم خامنئي، والآن مجتبى.. ثالوث حكمٍ في طهران لم تغادره الرغبة ذاتها في تمديد النفوذ الإيراني خارج حدوده الطبيعية، فالثورة التي بدأت مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود تحولت مع الزمن إلى سنوات حرب ودمار، كم على العقل الإيراني من الوقت يحتاج أكثر ليدرك أن بأنه لن يستطيع تجاوز منطق التغيير والواقعية، على إيران بنسخة مجتبى أن تفكر ألف مرة في المستقبل فيكفي ما أضاعه الشاه والخميني وخامنئي من وقت في الجري وراء الأوهام.
إيران تدرك أنها دولة معزولة فالقرار الدولي 2817 أكد العزلة وأكد المؤكد بأن إيران حصدت نتائج أفكارها المسمومة لتجد نفسها خارج العالم تعيش في ماضويتها وتخسر مستقبلها كما هي خاسرة حاضرها.
