«البيت متوحد»… حيث يبدأ الوطن من الأسرة
الأسرة هي المدخل الجوهري الذي تتشكل فيه المساحات الأولى في حياة الإنسان؛ ومنها يبدأ فهمه للحياة، وتتشكل علاقته بالآخرين.
تمرّ الأسر أحيانًا بظروفٍ وتحديات؛ فالحياة لم تُخلق لتكون طريقًا مستقيمًا بلا اختبارات. فما يمنح الأسرة قدرتها على المضي ليس خلو الطريق من الصعوبات، بل تماسك القلوب حين تمر بها، وإيمانها بأن القرب بين أفرادها أقوى من كل ظرفٍ عابر.
ولهذا، حين نحتفي بالأسرة الإماراتية، فإننا لا نحتفي برابطة اجتماعية فحسب، بل بفكرة أعمق: فكرة أن المجتمع يبدأ من بيت، وأن القيم تولد أولًا حول مائدة العائلة قبل أن تصبح ثقافة وطن.
فالأسرة ليست مجرد مكان للعيش، بل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان الأخلاق والمبادئ، والسنع الإماراتي، وثقافة وطنه وعاداته وتقاليده. وفيها أيضًا يختبر الإنسان أول شعور بالأمان، ويتعلم معنى الحب والاستقرار، وتتشكّل كثير من مشاعره وأحاسيسه الأولى؛ فحين يحضر هذا الإحساس بالطمأنينة تنمو شخصية الإنسان بثقة، وحين يغيب يفقد الإنسان شيئًا من توازنه في مواجهة الحياة. ومن هذه الدائرة الصغيرة تبدأ القيم التي تصنع الأوطان الكبيرة.
وليس هذا المعنى جديدًا على المجتمع الإماراتي؛ فقوة الأسرة في الإمارات امتداد لتاريخ طويل من التكافل. ففي البيت في الصحراء أو على ساحل البحر مساحة يتقاسم فيها الجميع المسؤولية والرزق والعيش. تعلّم الأبناء أن الصمود لا يكون فرديًا، وأن التماسك ليس خيارًا، بل أحد أسس الحياة.
ومن هنا تبدو فكرة الاتحاد قريبة من روح المجتمع الإماراتي؛ فكما يقوم البيت على التماسك بين أفراده، قام الاتحاد أيضًا على التماسك بين إماراته، وعلى الثقة والتعاون وتقاسم المسؤولية. ومن هذا المعنى الذي يبدأ داخل الأسرة تتسع الدائرة حتى تصبح وطنًا كاملًا يجتمع فيه الناس على روح الاتحاد.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يظهر معنى «البيت متوحد» في لحظات التحدي.
وقد رأينا في الأوقات التي مرّت بها المنطقة، منذ الثامن والعشرين من فبراير، كيف يتجلى معنى «البيت متوحد»: ليس شعارًا يُرفع، بل شعورًا يعكسه المجتمع، يظهر في هدوئهم وثقتهم، وفي تلك الطمأنينة التي تجعل المجتمع يقف متماسكًا حتى في لحظات القلق، سدًّا منيعًا ضد الخوف والاضطراب، وضد كل ما قد يمس استقرار المجتمع وثقته بوطنه وقيادته.
فـ«البيت متوحد» ليس عبارة فقط، بل واقع وطني يعكس تماسك المجتمع الإماراتي وروح التضامن التي تجمع أبناءه.
ولعل تلك الطمأنينة تختصرها جملة قالها الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال جائحة كوفيد-19 حين قال:
كانت كلمات قليلة، لكنها حملت معنى القيادة حين تكون عهدًا بين القائد وشعبه؛ عهدًا يقوم على الثقة ويترجم بالأفعال قبل الأقوال.
فكيف لنا أن نحمل الهم، ونحن في ظل قيادة حملت عن شعبها الكثير من الأعباء؟ وكيف لا يكون رد الجميل هو أن نحافظ على ما بقي لنا من أمان، وأن نرد هذه النعم بالعطاء والعمل والوفاء؟
وربما كان سر قوة هذا الوطن أنه أدرك منذ البداية أن بناء الإنسان يبدأ من بناء الأسرة؛ لأن المجتمع الذي يحافظ على قوة أسرته يحافظ على قوة مستقبله.
فالأوطان القوية لا تُبنى فقط بالمشاريع والإنجازات، بل تُبنى أولًا بالإنسان… والإنسان يبدأ من أسرة.
فالوطن، في نهاية الأمر، يشبه الأسرة الكبيرة.
إذا تماسك البيت… اطمأن المجتمع.
وإذا اطمأن المجتمع… ازدهر الوطن.
