menu_open Columnists
We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close

بيروت... حضنٌ وقلبٌ يتّسع للكل رغم الجراح

14 0
04.03.2026

تختزن ذاكرة بيروت سجلات ناصعة من الوفاء في احتضان النازحين من الجنوب والضاحية، في مشهد متكرر يجسّد أسمى صور التضامن الإنساني والتكافل الاجتماعي. فمع كل تصعيد أمني أو مواجهة عسكرية، كانت قلوب البيروتيين وبيوتهم تسبق المؤسسات الرسمية، لتتحوّل المدارس والجامعات والمساجد والمراكز العامة والساحات والحدائق والطرقات إلى ملاذات آمنة، مدفوعة بمبادرات عفوية أمنّت سبل العيش الكريم من طعام ودواء واحتياجات أساسية.

لقد تجلّى هذا الصمود الإنساني في محطات تاريخية قاسية، من عملية «الليطاني» (آذار 1978)، «سلامة الجليل» (حزيران – أيلول 1982)، «تصفية الحساب» (تموز 1993)، «عناقيد الغضب» (نيسان 1996)، حرب تموز (تموز – آب 2006)، ثم موجات النزوح الواسعة خلال «حرب الإسناد» (تشرين الأول 2023 – تشرين الثاني 2024) مع تصعيد كبير في أيلول 2024، حيث سُجّل نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ لبنان، إضافة إلى المرحلة اللاحقة لوقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، وما تلاها من اعتداءات. ونحن في شهر آذار من عام 2026، ما يزال المشهد يتكرر بفصل جديد من المعاناة، حيث يواجه اللبنانيون موجة نزوح مستجدة إثر إخطارات الإخلاء الإسرائيلية التي شملت على مدى يومين فقط أكثر من 80 قرية وبلدة، ما يضع بيروت مجدداً أمام قدرها كحضن لا يملّ العطاء رغم توالي السنين.

في بعض هذه المحطات كان النزوح مؤقتاً، وفي أخرى امتدّ لسنوات بفعل الدمار أو الاحتلال. غير أن الثابت بقي واحداً: مبادرة «البيارتة» إلى أداء واجبهم الأخلاقي والإنساني، وإيمانهم بالهوية الوطنية، من دون انتظار مقابل أو امتنان.

لكن خلف هذا المسار الأخوي الإنساني والوطني، تقبع غصّة عميقة: جراح أحداث 7 أيار 2008، وشعارات التخوين، والاتهامات الجارحة التي وصمت أهل بيروت بالعملاء والخونة والصهاينة، محاولةً نزع الوطنية عن جبين المدينة. لكن جراح الصراع الداخلي لم تُسقط جوهر الموقف الإنساني، بل زادته إصراراً على التمسك بالهوية الجامعة التي ترى في حماية الإنسان أولوية قصوى.

إن تضامن بيروت ليس رد فعل عابراً، بل نداء دائم لشراكة وطنية حقيقية في اتخاذ القرارات المصيرية. ورغم أن النزوح سببه الاعتداءات الإسرائيلية المباشرة، فليس من العدل أن يتم الانفراد بقرارات مصيرية كقرار الحرب والسلم، بينما يتحمّل اللبنانيون جميعاً تبعات الدمار والانقسام. أكثر ما يُخشى اليوم هو الاعتياد على مشهد الركام والضحايا، فيما يتسلل إلى النفوس شعور بالعجز أو الرضى بالأمر الواقع.

بيروت التي لا تغلق باباً في وجه نكبة، رغم ظروف أهلها الاقتصادية الصعبة، وتواصل كتابة تاريخها بمداد من التضامن مع أهلها الضيوف الوافدين من الجنوب والضاحية. وهي في ذلك لم تكن وحيدة ومثلها تضامن اللبنانيين في مناطق متعددة. هي حكاية تتكرر مع كل رصاصة وغارة، حيث تتحوّل المدينة إلى واحات إيواء.

خلاص لبنان لا يكمن في تكرار المأساة، بل في استعادة القرار الوطني الجماعي، وبناء دولة تحمي الجميع تحت سقف الكرامة والسيادة، بعيداً عن الانفراد والمغامرات غير المحسوبة. فحضن بيروت الدافئ يطالب بحقه في الشراكة، ووجعه من الجحود يذكّرنا أن الوحدة الحقيقية هي السبيل الوحيد لإنهاء دوامات الحروب.


© اللواء