menu_open Columnists
We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close

ليلة تحكي وطنًا كاملًا

55 0
17.02.2026

حين أضاءت واجهة برج خليفة احتفالًا برأس السنة الصينية، بدا المشهد وكأنه تحية عابرة بين ثقافتين.

لكن في اللحظة نفسها، كان في الصين حدثٌ أكبر يتكرر كل عام، ينتظره الناس كما تُنتظر دقّات منتصف الليل: سهرة عيد الربيع التي تبثها مجموعة الصين للإعلام.

أربع ساعات فقط على الشاشة.. لكنها بالنسبة لكثير من العائلات أكثر من برنامج تلفزيوني. هي موعد ثابت، يجتمع فيه الأهل حول مائدة العشاء، وتتحول الضحكات، والأغاني، وحتى التعليقات الساخرة، إلى جزء من طقوس استقبال عام جديد. في تلك الليلة، لا تكون الشاشة مجرد وسيلة ترفيه، بل مساحة مشتركة تتقاطع فيها الذكريات والتوقعات والأماني.

كل فقرة تحمل شيئًا مألوفًا: أغنية تُذكّر بتغيّر المجتمع، مشهد كوميدي يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ببساطتها، عرض تراثي يعيد استحضار التاريخ، ولوحات بصرية حديثة تعكس صورة الصين المعاصرة. وبين التراث والتقنية، يشعر المشاهد أن الماضي والحاضر يجلسان إلى الطاولة نفسها.

ومع تطور التقنيات، أصبحت السهرة أكثر ابتكارًا، مستخدمة الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والمؤثرات المتقدمة. لكن اللافت أن هذا التطور لم يُلغِ روحها الأصلية، بل أضاف إليها، فالفكرة لم تتغير: الاحتفاء بالعائلة، واستحضار الجذور، والنظر بثقة إلى المستقبل.

في زمن تتوزع فيه الجماهير بين مئات المنصات الرقمية، من النادر أن يحافظ حدث واحد على هذا القدر من الإجماع والتزامن. ربما لأن المسألة لا تتعلق بالشاشة فقط، بل بالشعور الذي يصاحبها: شعور الانتماء إلى قصة أكبر، تُروى كل عام، ويشارك الجميع في كتابتها.

وحين يشاهد الجمهور في الإمارات أو في أي مكان آخر لقطات من هذا الاحتفال، فهم لا يرون عرضًا فنيًا فحسب، بل يلمسون طريقة مجتمع كامل في التعبير عن نفسه: كيف يحتفي بتاريخه، وكيف يعكس تحوّلاته، وكيف يرسل رسالة مفادها أن الهوية ليست ثابتة، بل حيّة ومتجددة.

هكذا، في أربع ساعات، تعيد أمة سرد ذاتها: بعفوية الضحكة، ودفء العائلة، وإيقاع الموسيقى، وصوت المستقبل الذي يطلّ من بين التفاصيل.


© العين الإخبارية