خبير متقاعد في إستراتيجيات العلامات التجارية

كان كل شيء مُهَيَّئًا لكي تكون المصارف اللبنانية القطاع المصرفي الرائد في المنطقة، فقد ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية والإقتصادية وكذلك القوانين اللبنانية على تركّز الرساميل والخُبرات المصرفية في لبنان منذ منتصف القرن الماضي. وكان في إمكان هذا القطاع أن يتجاوز محدودية السوق المحلّية بالتوسّع عمودياً وأفقيّاً من حيث تطوير الخدمات الإضافية والمتخصصة وكذلك التمدد جغرافياً في المنطقة والعالم.

ولكنّه أصيب بـ«المرض اللبناني» فمزجَ السياسة بالمال وسعى للربح السهل من دون تطوير قدراته التنافسية الحقيقية. من ناحية أخرى لقد فات المصارف اللبنانية فكرة الإتحاد الطوعي لتكوين مصارف أكبر من حيث الحجم والقدرة على المنافسة بهدف الإنتشار والعالمية على مثال المصارف السويسرية أو الإنكليزية. فبقيت السِمة الغالبة على المصارف في كل المراحل هي «التذاكي» والمبالغة بالاتكال على المنظومة السياسية وتبادل الخدمات معها ومُسايرتها إلى درجة القفز فوق قواعد العمل المصرفي المتعارَف عليها عالمياً والربط الكامل بمالية الدولة، إلى أن وقع المحظور فكانت المصارف حجر الرُحى الذي جَذب البلد والإقتصاد والمجتمع إلى القعر.

زبائن بالإكراه

بعد ثلاث سنوات من انكشاف الأزمة والبدء بإدارة الإنهيار المتعمّد ما زالت ‏المصارف اللبنانية تعيش في عالم الوهم وتَعتاش على عمولات وأرباح تجنيها من «‎زبائن بالإكراه» ودائعهم محجوزة لديها رغماً عنهم ولا يمكنهم سحبها أو التصرّف بها لحاجاتهم المختلفة، إلا من خلال تعاميم جائرة وغير قانونية تقتطع وتُقطّر مدّخراتهم في لعبة مراهنة على الوقت لا نعرف نهايتها. لقد صرفت المصارف اللبنانيّة أكثر من مليار دولار على التسويق والإعلانات خلال السنوات العشر الماضية ومليارات أخرى على الفروع ومباني إداراتها والإستشارات والرعايات على أنواعها ولم تتعلّم أبسط قواعد العمل التجاري وهي الثقة، ثم الثقة، ثم السمعة الطيّبة. أما نشرها لموازناتها الرابحة في هذه الظروف وكأن شيئاً لم يكن فهو أقرب إلى النكران المرضي Pathological Denial.

أنواع المصارف وأدوارها

من الأخطاء الكبرى التي ارتكبتها المصارف اللبنانية هي الخلط ما بين عمل المصارف التجارية ومصارف الإستثمار؛ أو بشكل أدقّ، قامت المصارف التجارية بنشاطات مصارف الإستثمار من دون قوانين مُنظّمة وفصل بين الودائع والمحافظ الإستثماريّة، وهذا يعتبر من أكبر المحظورات في عالم المصارف منذ العام ١٩٣٣ حين وضع قانون غلاس- ستيغل Glas-Steagall Act الذي استمر العمل به حتى العام ١٩٩٩، وكان تشريع هذا القانون الأميركي ردّاً على دور المصارف الهدّام في «الإنهيار الإقتصادي الكبير» الذي بدأ في الولايات المتحدة سنة ١٩٢٩. ويعتبر كثيرون أن تعليق العمل بهذا القانون كان من الأسباب المباشرة في تفلّت الأسواق المالية وتسويق المنتجات الإستثمارية السامّة التي أوصلت العالم إلى أزمة «الرهون العقارية» في ٢٠٠٨.

التخلي عن الدور

بالإضافة إلى الخلط الخطر بين التجاري والإستثماري، إستهترت المصارف اللبنانية بمسؤوليتها عن مدّخرات الناس وتعويضات اللبنانيين افراداً ونقابات وجنى عمر المغتربين، وتحوّلت «صالونات كاش» تعمل لدى مصرف لبنان فتجمع الاموال وتوظّفها لدى المصرف المركزي من دون جهد يذكر. كذلك استهترت بتطبيق القوانين وتحديداً القانون ٤٤٢٠١٥ مما فتح البلد على مصراعيه أمام نشاطات تبييض الأموال وهذا قبل الأزمة، أما «اقتصاد الكاش» الذي نَما بمقدار كبير في غياب الخدمات المصرفيّة الفعلية فهو مسألة أخرى تستدعي المراقبة والمعالجة.

الخلطة اللبنانية

من ناحية أخرى، جمع القطاع المصرفي اللبناني بين السياسة والمال والأعمال وظنّ انّه اشترى بوليصة تأمين ضد الكوارث والخضّات بمجرّد إدخاله السياسيين والنافذين كشركاء وشراء الولاءات بالخدمات والتوظيف والرشاوى ولو كانت على شكل موازنات إعلانية وتسهيلات مختلفة، فأصبح امتلاك مصرف في لبنان أو الشراكة في رخصة مصرف من ضرورات الإرتقاء والنجاح الإجتماعي.

وفي مرحلة ما بعد اتفاق الطائف إقترفت المصارف خطيئة الربط العضوي للقطاع المصرفي بمالية الدولة، إن من حيث الإستفادة من سياسة الاستدانة المُفرطة وصولاً إلى الغرق في رمال البونزي المتحركة. فبدل التركيز على العمل المصرفي المحترف والتوسّع في أسواق المنطقة وخارجها، ربطَ هذا القطاع نفسه بدَين الدولة السيادي وهندسات مصرف لبنان وأخذ مجازفات ومراهنات غير مبررة بأموال المودعين. الثقة المفرطة بالمنظومة الحاكمة جعلت القطاع المصرفي يستهتر في ممارساته. وعندما سقط، فضحَ وجه شبكة الأمان السياسية والنيابية التي حاولت وما زالت تحاول إنقاذه على حساب جنى عمر اللبنانيين.

علامات تجارية سامّة

يبدو أن المصارف اللبنانية مستعدّة لأن تخرب البلد وحياة الناس لكي تحافظ على وجودها، لكن الحقيقة التي غفلت عنها هذه المؤسسات وأصحابها ومستشاريها هي أنها أصبحت ماركات سامّة وانتهت كعلامات تجارية يوم فرّطت بثقة المودعين. فحتى لو استطاعت تطويع القوانين والمشرّعين وشراء الخبراء والمطبّلين فلن تستطيع تطويع قوانين السوق فلا استعادة للثقة لا في هذا الجيل ولا بعده. فلبنان في حاجة إلى مصارف جديدة بالكامل لإعادة إطلاق الخدمات المصرفيّة الضرورية للإقتصاد ولحياة المواطنين ويستحسن أن تكون مصارف أجنبية لفترة انتقاليّة.

QOSHE - علامات تجاريّة سامّة - جان كلود سعاده
We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

علامات تجاريّة سامّة

3 0 0
08.12.2022

خبير متقاعد في إستراتيجيات العلامات التجارية

كان كل شيء مُهَيَّئًا لكي تكون المصارف اللبنانية القطاع المصرفي الرائد في المنطقة، فقد ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية والإقتصادية وكذلك القوانين اللبنانية على تركّز الرساميل والخُبرات المصرفية في لبنان منذ منتصف القرن الماضي. وكان في إمكان هذا القطاع أن يتجاوز محدودية السوق المحلّية بالتوسّع عمودياً وأفقيّاً من حيث تطوير الخدمات الإضافية والمتخصصة وكذلك التمدد جغرافياً في المنطقة والعالم.

ولكنّه أصيب بـ«المرض اللبناني» فمزجَ السياسة بالمال وسعى للربح السهل من دون تطوير قدراته التنافسية الحقيقية. من ناحية أخرى لقد فات المصارف اللبنانية فكرة الإتحاد الطوعي لتكوين مصارف أكبر من حيث الحجم والقدرة على المنافسة بهدف الإنتشار والعالمية على مثال المصارف السويسرية أو الإنكليزية. فبقيت السِمة الغالبة على المصارف في كل المراحل هي «التذاكي» والمبالغة بالاتكال على المنظومة السياسية وتبادل الخدمات معها ومُسايرتها إلى درجة القفز فوق قواعد العمل المصرفي المتعارَف عليها عالمياً والربط الكامل بمالية الدولة، إلى أن وقع المحظور فكانت المصارف حجر الرُحى الذي جَذب البلد والإقتصاد والمجتمع إلى القعر.

زبائن بالإكراه

بعد ثلاث سنوات من انكشاف الأزمة والبدء........

© الجمهورية


Get it on Google Play