We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

هل يخطئ اللبناني في اتهامه الدولة بدلاً من الحكومة؟

3 0 0
13.07.2018

لا يفوِّت اللبنانيون، أفراداً وجماعات، فرصة انتقاد الدولة وتحميلها المسؤولية عمّا يُواجهونه في حياتهم اليومية من فلتان في الأسواق والسير وفساد الإدارة والبيئة، كما في اضطراب الأمن المحلي وتهديد الأمن الوطني. ويؤكدون في شموليات انتقاداتهم، حتى إن بصورة غير مباشرة، توافقاتهم الضمنية بهويات طائفية وغير طائفية، على الضرورة لوجود الدولة التي لا قيام لمجتمع، أي مجتمع، من دون حضورها اليومي الناظم وغير المرئي لحقوق وواجبات الفرد أو الجماعة.

هكذا تحضُر الدولة في أذهان الناس وخواطرهم، وهي المُشرّعة لهوياتهم الفردية ضمن حدودها وخارجها. فالدولة كما يقول Pierre Bourdieu، وهو أحد كبار علماء الاجتماع الفرنسيين، هي «هذا الوهم ذو الأساس المكين... والحيّز الموجود أساساً بسبب أننا نعتقد أنه موجود... أنها موجودة بالاعتقاد». ولكن رُبّ متسائل عمّا إذا كان وجود الدولة باعتقاد الأفراد كـ«وهم مكين» في المجتمعات الصناعية المتروبولية القائمة منذ قرون يكون على الصورة ذاتها في المجتمعات التي رُكِّبَت عشية استقلالها منذ عقود؟
مما لا شك فيه، أن ما رُكِّب في هذه المجتمعات ليس الدولة المتشكلة في صيرورة تاريخية امتدت على قرون، بل هي حكومات فرضتها ضرورات التوافق بين مصالح المكونات الإثنية والطائفية العاجزة على امتداد بضعة قرون عن تجاوز تبعياتها وعن بلوغ مستوى وعي الضرورة الوطنية لوجود للدولة القائمة على الدستور وقوانين المواطنة.
إن المقصود في الانتقادات الموجهة إلى ما يُسمى الدولة في المجتمعات الريعية هو في الواقع الحكومات التابعة لمراكز القوى في مكوناتها الديموغرافية واللاديموغرافية والاجتماعية. وهي الزعامات الحاكمة المتحكمة التي تتحاصص تشكيل الحكومات وتتوارثها. هذه الحكومات التي لم يبلغ عوام الناس وعي ضرورة وجود القوانين التي تُشرّع محاسبتها، فتجد أكثرية نخبها ما يُغريها في موالاة زعامات الطوائف ولا يبقى أمام الأقلية من النخب المعارضة سوى التمرّس في ما يستعيرونه من الخطاب الراديكالي في العالم الأول حول «دولة الوهم المكين» المُستعصي قيامها في ظل حكومات الريوع وتجدد شرعية تحكمها في مسرحية صناديق الاقتراع.
ويبقى السؤال: لماذا يستعصي تأثير غالبية الكتابات المعارضة في تغيير نهوج الحكومات اللبنانية المتعاقبة على إدارة السلطة والموارد، سواء أكانت كتابات نقدية مُتلبرلة تغلب فيها الطروحات السياسية السلطوية الراصدة لمواقف أطراف الحكم ومصالحهم السياسية وعلاقاتهم على الصعيدين الداخلي والإقليمي، أم كتابات عروبية - شعبوية يغلب فيها رصد مواقف أطراف الحكم على الصعيدين المناطقي والإقليمي؟
هذه الطروحات النقدية ظلت تحوم حول الطبيعة الوظائفية للبُنى السلطوية والثقافية الضرورية لترسيخ مقومات نظام اعتمدته سلطة الانتداب الفرنسي بالتوافق مع مرجعيات طائفية، وفي طليعتها الكنيسة المارونية. وأوهمت عوام الطوائف بأنه النظام الأضمن لأمان عيشها وتدينها، وهو أمان يضمنه توافق القوى الدولية وحلفاؤها الإقليميون وتتعهد صيانته زعامات الطوائف بما يشرعن تحاصصها سلطاته وموارده، وبما يُتيح لها التشريع الحامي لآليات النظام الريعي ولهجانة ليبرالية اقتصاده الخارجي الذي افترض مصممو دستوره الأوائل، ومنهم خاصة سلطة الانتداب، أنه النظام التعددي الملائم للقيام بأدوار وساطة تخدم حضورها السياسي والاقتصادي في المشرق العربي.
ومن المعالم الأخيرة للهزال السياسي، المقترن بالتأسيس التوافقي للنظام، جاء مخاض تشريع قانون الانتخاب الأخير الذي أُنيط التوافق على تصميمه بمجموعة ضيقة من نواب يُمثلون زعامات الكتل الطائفية الكبيرة في البرلمان. وقد جهدت هذه المجموعة، على امتداد أكثر من سنة، لحصر التنافس بين تحالفاتها وفرض ما اختاروه من مبدأ غلق اللوائح ومن........

© الأخبار