We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

تحجر البنية الاجتماعية ــ الاقتصادية في لبنان [2]

1 0 30
13.07.2018

إدارة الدولة الطائفية

من المعروف عالمياً أنه كي تكون إدارة الدولة ناجحة يجب أن تتبع مؤسساتها قوانين تتماشى وتتناسق مع بعضها، وتتبع المنطق نفسه. فالإدارة التي يتبع موظفوها نمطين متناقضين من القوانين، تنتهي بالفوضى والفساد. لقد انسحب النظام الطائفي اللبناني على كل مرافق الحياة من اجتماعية واقتصادية وسياسية وحتى نفسية، وادارة الدولة التي يُفترض بها ان تقوم على اسس منطقية بحت، هي في الحقيقة اللبنانية محاصصات، وصراعات على مراكز الدولة بين الطوائف ما جعل مؤسسات الدولة بمنزلة مؤسسات خاصة لهذه الطوائف، فاختفى مفهوم الشأن العام، وهذا هو السبب الأساس في فساد الإدارة. من المهم أن نعي أن الطوائف شأن خاص، وشؤون الطائفة إلى حد كبير هي مواجهة الطوائف الأخرى، بينما مصدر سلطات الدولة الحديثة، أي الدولة القومية/ الوطنية، نابع من الشعب ككل بمعزل عن انتماءاته الدينية والعرقية والجندرية أو العقائدية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف نُصت قوانين «عامة» تؤمن المساواة بين المواطنين فلا فرق بين «خاصة» و«عامة» كما كان سائداً ما قبل الدولة الحديثة، ولا تفرقة وتفضيل بين مذهب وآخر.
مؤسسات الدولة الحديثة تقوم على خدمة الوطن والمواطنين والمواطنات، ويؤدي انشاؤها إلى تنظيم العمل والأعباء بشكل عقلاني يقود إلى الأهداف الوطنية المتوخاة، كما أن المناصب محددة المهام والتراتبية، والسلطة ممنوحة للمنصب وليس للشخص الذي يحتل المنصب، لذلك حين يترك موظفاً ما مركزه يعود مواطناً عادياً كغيره من المواطنين، إلا في النظام الطائفي حيث يحمل المسؤول المغادر سلطة المنصب معه!
إن عمل الدوائر الحكومية في الدولة معطل لسببين رئيسيين: أولاهما، هو ممارسة توزيع مراكز الدولة وكأنها هبات للطوائف المختلفة حيث تستطيع هذه الطوائف الاستفادة من هذه المراكز لتوزيع المغانم على أبناء الطائفة؛ وثانيهما، التعيينات القائمة على نظام الملة. هذه الممارسات أدت إلى العواقب التالية:
أولاً، يعيّن الموظفون بحسب طوائفهم لا بحسب كفاءاتهم في ادارات الدولة، خاصة وأن الوظائف مقسمة بحسب التعداد السكاني لكل طائفة، ليس كما هو في القرن الواحد والعشرين، بل كما كان منذ قرن من الزمن، لأن ذلك يناسب الطوائف المسيحية التي تضاءل عددها عبر السنين، فنجد مثلاً وزير الداخلية السابق ميشال المر يصرح أنه لن يسمح للمسلمين، وخاصة الشيعة بدخول الجيش لأن أعدادهم ستزيد عن أعداد المسيحيين (1). هكذا يتحول الجيش المفترض به أن يكون حامي الوطن إلى بؤرة تنازع بين الطوائف، ما يؤدي إلى تشرذمه فيُنزع عنه اداؤه الوطني، ويبخّس من دوره واحترام المواطنين له.لا وجود لدولة حديثة بمعزل عن الدولة القومية/ الوطنية


الشواذ عن هذه القاعدة حصل حين قام الرئيس اميل لحود بدمج الألوية التي كانت مؤلفة من طوائف منفصلة بعضها عن البعض الآخر من أجل تكوين جيش وطني، والزم الشبان الذين اتموا الثامنة عشر من عمرهم بخدمة العلم لسنة كاملة. وكانت المفاجأة أن الطائفة المسيحية هي من اعترضت على خدمة العلم وطالب نوابها بالغائها وهذا ما حصل. فمن جهة يرفض المسيحيون الانخراط في الجيش، ومن جهة أخرى تمنع القيادات المسيحية المسلمين التواقين لخدمة الوطن من ولوج هذا الباب. هذا مثال ساطع على أن النظام الطائفي لا يستطيع أن يبني دولة حديثة، ولا دولة قوية، لأنه ينظر إلى الامور من منطلقات خاصة بالطائفة لا بالوطن والشأن العام ككل.
ثانياً، يتم تضخيم الكادر الإداري جراء التعيينات الطائفية، ذلك أن رئيس كل طائفة يعد أبناء الطائفة بأنهم سيلتحقون بمراكز إدارية في الدولة إن تم انتخابه. وبما أن كل طائفة تقدم الوعود نفسها يصار إلى تمثيل كل الطوائف في الإدارة بمعزل عن حاجة مؤسسة من المؤسسات إلى هذا العدد الكبير. والمضحك أنه حتى في باب الجنايات والجنح والجرائم والمحاكمات يؤخذ في عين الاعتبار الحكم على أفراد ينتمون إلى طوائف مختلفة لا إلى طائفة واحدة من باب المساواة بين الطوائف!
ثالثاً، يؤدي هذا الوضع إلى الاستغناء عن مبدأ المحاسبة، إذ إن الموظف يعرف أن ولاءه لرئيس طائفته وتقديم الخدمات الإدارية له هو الذي يبقيه في مركزه لا الانصياع لرئيس الدائرة التي يعمل ضمنها، وينتج عن ذلك ليس فقط الهدر والفساد بل انهيار مؤسسات الدولة وانتاجيتها.
أخيراً، تتمحور الترقيات في إدارات الدولة على المقربين من رؤساء الطوائف بدلاً من أن تأتي نتيجة العمل الدؤوب ونزاهة واخلاص الموظف الإداري، ما يؤدي إلى انهيار مستوى الادارات وانتشار الفوضى وامتناع المثقفين الذين يحترمون انفسهم وشهاداتهم من الانخراط في مؤسساتها.
حاول اتفاق الطائف التحايل على هذا الوضع لا اصلاحه عبر ادراج المواد التالية: «الغاء قاعدة التمثيل الطائفي، واعتماد الكفاءة باستثناء وظائف الفئة الأولى، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين». فكيف يستوي هذا الأمر؟ من الطبيعي أن يبادر من تعيّن على أساس طائفي إلى توظيف أكبر عدد ممكن من مناصريه ضمن طائفته ليضمن استمراريته في السلطة، وهم بدورهم سيدعمون بقاءه لأن بقاؤهم من بقائه!
أمر آخر ينص عليه اتفاق الطائف هو «اللامركزية الادارية»، وهذه غير ممكن التطبيق لأن لا إدارة مركزية في لبنان كي نطالب بـ«لامركزية»، فالطوائف ترفض وجود سلطة مركزية، وتحكم على الطريقة الوفاقية العشائرية؛ الدولة بجميع مؤسساتها غاطسة باللامركزية الإدارية وغير الإدارية.

الهيئات السياسية
الدولة الحديثة هي الدولة القومية (nation-state)، ولا وجود لدولة حديثة بمعزل عن الدولة القومية/ الوطنية، فهي سُميت حديثة لأنها وضعت معالم........

© الأخبار