We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

شخصيّة ودور الرئيس الأميركي: النار والدخان

0 0 0
12.01.2018

إن مضمون كتاب «نار وغضب: من داخل البيت الأبيض في عهدة ترامب» يدين نظام الحكم في أميركا، ولا يدين فقط شخص دونالد ترامب. كيف يمكن لرجلٍ يفتقر إلى أي تجربة سياسيّة أو اقتراعيّة أو كفاءة علميّة (في السياسة أو القانون) أن يصل إلى سدّة الرئاسة الأميركيّة، وسيادة العالم؟ وكيف يمكن أن يكون الرئيس الأميركي رجلاً عديم المعرفة بالدستور والسياسة الداخليّة والخارجيّة على حد سواء؟ يزهو الأميركيّون، كما لاحظ ألكسي دو توكفيل في تجواله في أميركا في منتصف القرن التاسع عشر، بنظامهم السياسيّ ولا يرون أي نظام قرينٍ له.

لا، هناك من الأميركيّين (من الساسة ومن العامّة) مَن يظن أن أميركا وحدها هي الديموقراطيّة وأن الشعب هنا هو وحيد بين شعوب الأرض في تمتّعه بحريّة التعبير (المُحدّدة والمُقيَّدة). قد يكون الحلّ للمعضلات السياسيّة الأميركيّة في تحويل النظام السياسي الأميركي (الرئاسي) إلى نظام برلماني ديموقراطي، يبتعد عن الشخصانيّة التي تسم الانتخابات الرئاسيّة. النظام البرلماني، خصوصاً إذا ما اقترن بنظام النسبيّة، يجعل المنافسة تتركّز بين الأحزاب وليس بين الأشخاص، وبناء على صفات شخصيّة — حقيقيّة أو متخيّلة. المنافسة الرئاسيّة هنا، وحتى المنافسة بين الأشخاص في انتخابات مجلس النوّاب في الدوائر الفرديّة في الولايات، لا تكون مرتبطة بالمنافسة بين الحزبيْن (النظام الاقتراعي هنا يضمن ديمومة احتكار الحزبيْن للتمثيل السياسي، من المستوى المحلّي إلى المستوى الوطني). يمكن أن يكون الرئيس المُنتخب منتمياً إلى حزب، وأن تميل دفّة الانتخابات في الكونغرس إلى دفّة أخرى كما حدث في عام ١٩٦٨. الانتخابات ليست مرتبطة ببعضها هنا، وهكذا أرادها الآباء المؤسّسون. وصعود نجوم سينما وتلفزيون في عالم السياسة هو جانب من جوانب الشخصنة في السياسة الأميركيّة. واستطلاعات الرأي في موسم الانتخابات الرئاسيّة هنا تستفتي المواطنين والمواطنات عن: مَن تفضّل بين المرشحيْن لاحتساء الجعة معه؟ كأن المقترع يختار شريكة سكن أو حياة وليس رئيساً للبلاد. ولا يمرّ اختيار الرئيس بتصفية الدورتيْن، كما في الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة. فالمقترع محكوم بخيار بين شخصيْن، لا ثالث لهما. والنظام البرلماني البريطاني مثلاً يمنع بروز قادة أحزاب غير متحضّرين وغير عالمين بشؤون السياسة لأن المواجهة الأسبوعيّة في مجلس العموم لا يمكن أن تسمح ببروز أشخاص مثل بوش أو ترامب أو ريغان. المواجهة أو المناظرة الأسبوعيّة تتطلّب معرفة وقدرة لا يمكن فيها الاعتماد على مساعدين. واستبدال زعيم في داخل الحزب الحاكم في بريطانيا، حتى لو كان بحجم مارغريت تاتشر، ممكنٌ وسلسٌ.
أثار الكتاب الجديد الكثير من اللغط وسبّب الكثير من الإحراج للرئيس الأميركي، وحتى لبعض الجمهور الأميركي الذي يرى بلاده في صورة أزهى بكثير من واقعها. والصحف الكبرى، مثل «نيويورك تايمز»، تعاملت مع الكتاب بتناقض: هي أفردت المقالات الطوال لتغطية محتويات الكتاب لأنها تساهم في فضح الفوضى المستشرية في البيت الأبيض كما أنها تظهر مدى جهل وعدم رجاحة عقل الرئيس الأميركي، لكنها ذكرت ان هناك أخطاء في الكتاب، وأن كتابات سابقة للمؤلّف تضمّنت أخطاء أيضاً. من المشكوك فيه أن تكون كل كتابات المؤلّف قد تضمّنت خطأً من نوع أن العراق تملّك أسلحة دمار شامل، كما فعلت «نيويورك تايمز» في سلسلة مقالات للتحضير والتأجيج للحرب الأميركيّة على العراق. هناك أخطاء تمرّ وأخطاء تكلّف عشرات الآلاف من الضحايا. والصحيفة تكنّ ضغينة ضد المؤلّف لأنه في كتابه عن روبرت مردوخ انتقد ديفيد كار، الكاتب (الراحل) الشهير في شؤون الاعلام في الجريدة عينها. هذا الكتاب يندرج في سلسلة كتب عن إدارة أميركيّة من الداخل، ومِن مصادر في داخل البيت الأبيض. لقد بنى الصحافي في «واشنطن بوست»، بوب وودورد، مهنة وترك رفّاً من الكتب من نوع «الإدارة من الداخل» على لسان مصادر خاصّة فيها. والسؤال هو دوماً: ما دافع الذين يتحدّثون للمؤلّفين؟ لماذا يختار مسؤولون حاليّون وسابقون أن يتحدّثوا لكتّاب يسعون لكشف عمليّة صنع القرار الداخلي؟ الجواب هو أن الذي يتحدّث إلى المؤلّف —هذا أو غيره— يكسب تغطية متعاطفة وإيجابيّة فيما يخسر الممُتنع ويضمن أن الكتاب سيتضمّن ذمّاً بدوره وشخصه، أو تقليلاً من نفوذه. هذا ما أدركه كولن بول مبكّراً في سيرته المهنيّة وقد تحدّث إلى كل المؤلّفين مما........

© الأخبار