We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

ما رآه أنطون سعادة ولم تره القيادات الحزبية والآخرون

4 0 177
09.11.2018

المُخَلّص

قبل أن نعالج بنود مشروع سعادة، لا بد من الاعتراف بأن مفهوم المخلص هو مفهومٌ قديم. وهو ليس مفهوماً روحانياً فحسب لا بل سبق الروحانية بقرونٍ عديدة ولا علاقة له بالواقع الاجتماعي. يروي المؤرخ السوري فراس السواح عن المفكر جيمس فريزر أنه قد مرَّ على الإنسان عهدٌ ظنَّ فيه بمقدوره التحكم بسير عمليات الطبيعة بواسطة تعاويذه وطقوسه السحرية. وعندما اكتشف، بعد فترة ليست بالقصيرة، قصور هذه الوسائل عن تحقيق غاياتها، اعتقد بأن الطبيعة التي تأبى الانصياع لطقوسه، واقعة تحت سلطان شخصياتٍ روحانية فائقة القدرة. فتحول إلى عبادة هذه الشخصيات واستعطافها واسترضائها بالأضاحي والقرابين، لتقف في صفه وتلبي له حاجاته. وبذلك ظهر الدين، وتحول الإنسان عن السحر، وحلَّ كاهنُ المعبدِ الذي يقودُ الصلوات محل ساحرِ القبيلة الذي يقودُ الطقوسَ السحرية (كتاب «الأسطورة والمعنى»، ص: 134).
هذا المفهوم لاءم الديكتاتوريات في الوطن السوري، ولاءم القيادات الحزبية خصوصاً قيادات «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، فأشاعته وكرَّسته في الذهن الشعبي وفي الصف القومي وذلك كلّه لتمتين سلطتها الديكتاتورية. وبدورها المراجع الدينية بأنواعها رأت نفسها في نفس الصفِّ، فدعمته آملةً لنفسها سبيلاً للتغلغل في الأمور الدنيوية، الأمورُ الدنيوية التي هي من اختصاص المجتمع المدني والدولة العلمانية.
إن عدداً كبيراً من قوميّي الرعيل الأول رأوا في سعادة مخلِّصاً وقد ترسَّخَ هذا المفهوم بعد استشهاده، وكرَّسَتْهُ القيادات المختلفة، ونمت كالفطرِ تحت ظِلِّهِ. وفي الأزمة الحالية، وفي الانشقاقات المختلفة التي حدثت ضمن مسيرة الحزب، القوميون ليس بينهم اثنان يختلفان على المشروع النهضوي الذي عرضه سعادة، ولكنهم، تجاه القيادة، ضائعون في البحث عن «مخلص». إلا أنَّ سعادة لم يدَّعِ النبوة والسحر، ولم يلعب دورَ المخلص، ولم يكن يخاطب جموعاً للمشعوذين. سعادة كان قائداً ذا رؤية، درس الأرضية، وجاء بالمشروع المتكامل لوضع هذه الأمة على طريق النهضة، مخاطباً مكامن القوة في المجتمع، داعياً إيّاها إلى االتسلح بالعقل والمعرفة، والتعبئة في حركةٍ سمّاها «الحزب السوري القومي الاجتماعي» لكي تساعده على تحقيق مشروعه.

بين المتوقع وغير المتوقع
للأستاذ نسيم نجيب طالب مؤلفاتٍ، بالإنكليزية، كثيرة. منها كتاب «البجعة السوداء» (The Blak Swan) الذي حاز شهرة واسعة في الأوساط الغربية خصوصاً الاقتصادية والمالية، من حيث توقعه الأزمة البنكية، والمالية والدولية التي حدثت منذ عشر سنوات. ومن هذه الكتب، أيضاً «ضد الهشاشة» (Anti fragile). كان العالم يظن بأن كل البجع أبيض ولم يكن يتوقَّعُ بجعاً أسود إلى أن اكتُشِفَتْ أُستراليا وظهرَ فيها البجعُ الأسود.
ومفهوم البجعة السوداء يتميَّزُ بثلاث صفاتٍ هي:
1- عدم توقع ظهور الحَدَث.
2- عدم التوقع بأن حدوثُهُ لهُ تأثير كبير في الوضع الراهن.
3- بعد حلولِ الحدث، نحاولُ أن نُلَفِّقَ تفسيراً يجعلُ حُدوثَهُ أكثرَ توقعاً وأقلَّ عشوائيةً. (غلاف «البجعةِ السوداء»).
ما يقولهُ نسيم طالب صحيحٌ عامة، وأعتقِدُ بأن تاريخ العالَمِ زاخرٌ بالأشياء غير المتوقعة التي تَحَكَّمَتْ في مساره وأعطت تكوينه الحالي. ولكن، من الأمثلة التي أعطاها طالب لهذه الظاهرة حرب السنوات الخمس عشرة سنة اللبنانية، مُصَوِّراً بأن لبنان قبل الحرب كان جميلاً، وكانت الحياة فيه في القمة، وكان يُسمّى «سويسرا الشرق». وكان الناسُ مغتبطين بهذه التسمية، لا بل كانوا يفتخرون بها، وما كانت الحربُ بتاً في توقعاتهم (رغم حوادث 1958). وفي هذا غالَطَ كثيراً. نسي أن النظام في لبنان طائفي على مدى عشرات العقود، وأن لبنان في حربٍ مع إسرائيل ولا يزال، وأنه ليس جزيرة معزولة عن محيطها: جغرافياً، وبيئياً، وتاريخياً، وثقافياً، وعَيْشِيّاً (بمعنى الحياتي). وبهذا المعنى، في رأيي، قالَ الشاعر محمود درويش: «الهوية ليست إرثاً بل تكوين. فهي تكوِّنُنا ونكوًّنُها باستمرار».
تُكوِّننا (بيئتنا ومجتمعنا)، ونكونها (في أدائنا وابتكاراتنا)، فالمكوِّنُ أرضٌ وانتماءٌ، وحياةٌ في صعودٍ، وثقافةٌ في الإبداعِ والتسامي. هذه الحقائق لم تَرِد في مناهج دراسة نسيم طالب في «كوليج دي فرانس»، وفي مناهج دراسته في الغرب، وهكذا قَرّرَ بأن الحرب اللبنانية لم تكن متوقعة. ففي مقالة في جريدة «الجريدة» في سان باولو، تحت عنوان: «السوريون والاستقلال» وذلك في 1/10/1921، قالَ سعادة: «من أعظمِ العقباتِ التي قامت في سبيل استقلال سوريا: التعصب الديني، ذلك الداء العضال الذي أحدث شللاً في أعضاء الأمة السورية ووقف حاجزاً منيعاً بينها وبين ما ترمي إليه من النهوضِ إلى مصاف الأمم الحية» (الآثار الكاملة. الجزء الأول. ص: 11).لقد أمعنت القيادات في الأحزاب العلمانية في تجاهلها الضرورات المعيشية للجسم الحزبي


وبرؤيته القيادية، اسْتَشَفَّ سعادة الويلات القادمة، ففي المقال نفسه ونفس المصدر كتَبَ يقول: «ولقد سبَّبَتْ التعصبات الدينية في سوريا معضلةً هي أشبهُ شيءٍ بالمعضلة البلقانية من المنازعات والانقسامات الوخيمة العواقب. والمعضلة السورية هي معضلات عدة، لا تلتئمُ مع مصلحة أمة تريدُ النهوضَ إلى مستوى الأمم الحية قط. والمعضلاتُ المشارُ إليها هي معضلة لبنان وجبل حوران (درعا والسويداء) وفلسطين وسوريا. وكلُّ هذه المعضلات منحصرة في معضلة واحدة، فإذا لم يبادر السوريون إلى حلها، قبل أن يتفاقم شرُّها، جَرَّتْ عليهم ويلات لا تُعدُّ ولا تُحصى. وإحدى هذه الويلات، الآخذة في الحلول في الأراضي السورية، كضيفِ ثقيلٍ يضطرُّ الساكنين إلى الرحيل، هي الصهيونية».
يومها لم يكن هناك إسرائيل. وخيرُ دليلٍ على ما استشفَّهُ سعادة هو هذا الطاعونُ الطائفي الذي جَلَبَ الويلات إلى «الإقليم» من إضاعة فلسطين، إلى الحرب في لبنان وفي الشام وفي العراق. وسعادة هو أوَّلُ من ساوى بين خطر النعرات الطائفية والخطر الصهيوني، ورأينا حديثاً كيف تضاجعا من أجل المزيدِ من سلالات الأفاعي التي اجتاحت الأخضرَ والأسمرَ من الأرض بِدْءاً بالأرض اللبنانيَّة ومروراً بالأرض العراقية، والفلسطينية، وانتهاءً بالأرضٍ الشاميَّة. لم ير نسيم طالب كلَّ هذه الحقائق لأنه لم يطّلعِ عليها، ولكن نسيم طالب يعترف بأن «ما لا نراه وما لا نفهمه لايعني بأنه غير موجود» (مقدمة «ضد الهشاشة»، ص: 9).
وفي كتابه «ضد الهشاشة»، يقولُ: «لدينا تصوُّرٌ بأن العالمَ يسيرُ بناءً على برنامجٍ مرسوم وحَسَبَ أبحاث الجامعات الأكاديمية، وبدعمٍ من مالية البيروقراط، ولكن هناك أدلة دامغة تُبين بأن هذا مُجَرَّدُ تصور» (المقدمة، ص:8)، ويحاول أن يحدد المعنى من «الهشاشة» ومن «ضد الهشاشة». فـ«الهش» (خائفاً من التحطُمْ) يَتَطَلَّبُ منك الهدوء» و«التركيز عليه»، بينما الأمر يتطلَّبُ مزيداً من «الاستشفاف والرؤية، وبناءِ حساباتك على احتمالات المستقبل» (ص: 20). وهذا يَتَطَلَّبُ صفةً خاصة هي الرؤية، ووحدهم القياديون يملِكونها، وهم «فِئة من الناس من الواجب علينا أن نُشجِّعهم ونحميهم ونحتَرِمَهُم».
و«الهشاشة ثقافة جديدة، تَبْني، تدريجياً وبشكل تصاعدي، العماءَ تجاه الغامض وغيرِ المتوقع، وهو ما سمَّاهُ نيتشه نموذج ديميسيوس في الحياة» (المقدمة، ص:10)، وديميسيوس هو الخادم الذي يتمتَّعُ بالرخاء وبالبحبوحة، والسيفُ مُعلّقٌ على رقبته، بشعرة من ذَنَبِ حصان، قد تنقطع في أي وقت. «والهشاشة... تُجبِرُك على التزام سياساتٍ وأفعالٍ كلها مصطنعة، منافِعُها صغيرة وواضحة ومضارها شديدة وغير ظاهرة» (المقدمة، ص: 10). و«الحقيقة أن الخطاب السياسي يفتقدُ مفهماً فكرياً. السياسيون، في خطاباتهم وفي أهدافهم وفي وعودهم تجاه الهدف يشددون على مفهوم المرونة والصلابة وغضِ النظر كموقفٍ ضد الهشاشة. وفي هذا المضمار هم يقضون على آلية الإنماء والتطور» (المقدمة، ص: 10). فما هو ضد الهشاشة ليس الصلابة والمرونة، وكلاهما يتحمل الصدمات ولكنهما لا يتحطمان ولا يتغيران بينما ضد الهشاشة موقفٌ رؤيٌّ ثاقب، يزدادُ صلابةً وإصراراً، يوماً بعد يوم، على وقع تتالي الصدمات (ص:31 والغلاف). «الأسوأُ القول: ما وصلنا إليهِ اليوم هو بفضل أولئك السياسيين الذين يخططون لنا سياسة العمل، بينما الأحرى هو بفضل الشهية إلى المخاطرة والرغبةِ في الابتكارِ والتعرض للأخطاء عند بعض فِئةٍ من الناس من الواجب علينا أن نُشجِّعهم ونحميهم ونحتَرِمَهُم» (المقدمة، ص:11). وسعادة كان من هذه الفئة، أصحاب الرؤية والقيادة. وأمّا السياسيون، ومن ضمنهم قياديو الحزب الذين تسلَّموا المهمة بعد اغتياله، فاختاروا طريق الهشاشة.
قلت في مقالة سابقة إن الخروج من الأزمات يتطلَّبُ المرور بثلاث مراحل:
1) دراسة الأرضية.
2) التوعية.
3) التعبئة.
ولهذه المراحل، ولكل واحدٍ منها، حاجةٌ إلى فكرِ قياديٍّ، يتحلى:
1) بالرؤيا.
2) بالابتكار.
3) بقدرة توظيف الابتكار في خدمة المجتمع.
4) بقدرة تعبوية لفريق عملٍ يلتزمُ تحقيق تلك الرؤية.
ولقد دَرَسَ سعادة أرضية هذا الوطن المترامي الأطراف متسائلاً ما الذي جَلَبَ على شعبي هذا الويل؟ واكتشف، كما سنرى، العلة، وقدَّمَ، من خلال آثاره الكاملة، التي توزعت على عشرات الآلاف من الصفحات، أفكاراً لتوعية المجتمع على حالة التفتت والتشرذم، السائدة آنذاك والتي لا تزال، وأنشأ مؤسسة لتعبئة المواطن، لمجابهة هذه الحالة المَرَضِيَّة التي فتحت شهية القوى المعادية، المحيطة بالبلاد، وزادت من شراهتها للانقضاض على البلاد، لإخضاعها وتفتيتها أكثر وأكثر. لقد عَرِفَ سعادة العلة وأشار إلى الدواء وذلك في المادة الأولى من الدستور: «غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعثَ نهضةٍ سورية قومية اجتماعية تكفلُ تحقيقَ مبادئه...،» والمبادئ بشقيها الأساسي والإصلاحي معروفة ولكن، لتحقيقها، وَضَعَ شرطاً أساسياً تَقَدَّمَ على كلِّ شيءٍ آخر هو بعث نهضة، فما الذي حدَثَ؟
الحديث عن نسيم طالب يأخذني إلى والدِهِ الدكتور نجيب طالب (رحمه الله) الذي كان أستاذي في أمراض الدم والسرطان، في المعهد الطبي الفرنسي (الطبية) في بيروت، خلال الستينيات من القرن الماضي. وقد امتاز نجيب طالب ليس في اختصاصه فحسب، ولكن كان جامعاً وشاملاً (Well Rounded) في تفكيره، وكان من الكورة، وفي الكورة تلك الأيام مجموعةٌ مُفَكِرة لا تعنيها الاصطفافات الطائفية ولم تكن منتمية إلى مُفرزاتها الحزبية، وكان عندها من ثقافة وإلمام يجعلها حساسةً لحاجات الناس في المنطقة، وفي إطار هذه الحاجات، وإن لم تكن ملتزمة مبادئ «الحزب القومي»، فإنها وَقَفَتْ على أرضية مشتركة معه في كثيرٍ من المفاهيم، ولم يستطع الحزب ضَمَّها إلى حركته، لا بل عاداها، عملاً بالقول من ليس معي فهو ضدّي، وقد كان بإمكان قيادات الحزب، اعتماداً على الأرضية المشتركة على الأقل، استمرار التواصل والحوار معها، لتثقيفها وتعريفها بالمحتمل وغير المحتمل من الأمور، وهذا غايةُ مشروع سعادة في النهضة.
لكن السياسة الشخصية كانت غالبة، وكانت قد أصبحت نهجاً «ثابتياً» (من نعمة ثابت) تبنته هذه القيادات. هذا الوضع لم يكن ينحصرُ في الكورة فقط، ولكنه وجد في المتن والشوف والبقاع والجنوب وغيرها من المناطق اللبنانية، كما وجد في دمشق وحلب واللاذقية وغيرها من المدن الشامية. بل إن الحزب في الكورة عادى هذه النخبة في حملاتِه السياسية. والسياسة، هي التي طغت على الحزب بعد اغتيال الزعيم، ولم تكن في سبيل قضايا الناس المعيشية، وقضايا الأمة، إنما كانت لهاثاً نحو السلطة.

عصر بيروت الذهبي
أحبَّ القوميون عبد الله سعادة، فقد كان شهماً وذا جاذبيةٍ شخصيَّة (كاريزما) طاغية، وتضحياتٍ غير متوقعة، وكان إلمامه بمشروع سعادة عميقاً لا يتزعزع. ولكن في الحقيقة، وفي الوقت الذي كانت القيادة الحزبية حواليه تعِدُّ لانقلابه السياسي، تيمُّناً بكارثة مقتل عدنان المالكي المشأومة، كانت مجموعةٌ من النخبة السورية القومية الاجتماعية تبني صروح عصر بيروت الذهبي، وتبني انقلاباً ثورياً في الفكرِ والشعرِ والأدبِ والموسيقا والغناء والرسم والصحافة والمسرح. وأغلبهم لم تستوعبهم المؤسسات الحزبية التي تآمرت على القوميين بهذا الانقلاب وبحادثة المالكي لا بل في كثيرٍ من الأحيان لفظت هذه النخبة من القوميين.
تقول الناقدة خالدة السعيد (كانت من هذه النخبة) عن هذه الفترة: «عشرون سنة (1955-1975) من مغامرة الصدق وشجاعة قول الحق، ومعارضة كلُّ سُلْطَةٍ ظالمة، ومحالفة كلَّ ذي قضية، عشرون سنة هي العصرُ الذهبيُّ الخاطف لدولة الحلم، لدولة تحققت في لبنان بموازاة دولة السلطة السياسية والأجهزة الإدارية، معارضةً لها وكاشفةً لتناقضاتها المزمنة. دولة هي التي صنعت مجد لبنان الحديث، وفرضت هيبته، إنها دولةُ الثقافة وركنُها القوي، الصحافة». مغامرة الصدق الثقافية تلك كان لها الفضل الأكبر في تهديم أجهزة المخابرات والقمع، أكثر بكثير من مغامراتهم الانقلابية.
وتتابع خالدة: «تمسكٌ بحلم الدولة العادلة المبنية على المعرفة، وسخرٌ من الأساطير. رفضُ القوقعة «الديموقراطية» التي تفتقرُ إلى الحيوية والتجدد والعدل، وتنغلقُ على المعرفة».
عام 1942، وفي جريدة «الزوبعة» في الأرجنتين، نَشَرَ سعادة تباعاً سلسلة مقالاتٍ عن الوضع الفكري-الأدبي في الوطن، أصبحت كتاباً بعد ذلك قالَ فيهِ: «كان موضوعُ الأدبٍ، يلوحُ أمام ناظري، ويطُلُّ من وراء المشكلات الإدارية والنفسية والسياسية التي تعرضُ أمامي. ولم أكن أجهلُ علاقة الأدب بهذه المشكلات، وإمكانات تذليلها بإنشاءٍ أدبٍ جديدٍ حيٍّ. وكم كنتُ أتألَّمُ من تفاهة الأدب السائدٍ في سوريا، وأشعرُ أنَّ فوضى الأدبٍ وبلبلة الأدباء تحملان نصيباً غيرَ قليلٍ من مسؤولية التزعزع النفسي، والاضطراب الفكري، والتفسخ الروحي، المنتشرة في أمَّتي. وكان هذا التألُّمُ يُحفِّزُني لانتهاز كلَّ فرصةٍ عارضةٍ للفت نظرٍ الأدباء، الذين يحدث بيني وبينَهُمْ اتصالٌ، إلى فُقر الأدبِ السوري، وشقاء حالِهِ، وفداحة ضررِهِ، ولتوجيههِم نحو مطالب الحياة، وقضاياها الكبرى، وخططِ النفسِ السورية في سياقِ التاريخ».
وقد دَعا الكتاب إلى الخروج من التخبط والفوضى والبلبلة، وإلى نظرة جديدة إلى الإنسان والحياة والفن، تعبِّرُ عن الشخصية القومية وعقلية الأمة، مستمدةً من التراث القومي، مرتبطةً به، ومتفتحةً في الوقتٍ نفسه على التفاعلِ مع ثقافات الشعوبٍ الأخرى، تفاعلاً خلّاقاً. ومبنيةً على........

© الأخبار