We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

ذكرى اختطافٍ غير معلن

2 0 254
08.11.2018

قبل عامٍ من اليوم، بعد أن ألقى سعد الحريري خطابه الشهير من الرّياض، راسلني الكاتب الزميل أحمد حسن ليقول إنّه لا يوافق على حملة «التّعاطف» والتبرير التي أحاطت بالحدث، والحبّ المفاجىء لشخص سعد الحريري، سواء صدرت عن صدقٍ أو سذاجةٍ أو نفاق. وإنّ الحريري ــــ بغض النظر عمّا إن كان مكرهاً في خطاب «الاستقالة» أم لا ــــ من المفترض أن يُحاسب بعد أن يرجع الى البلد، فلا شيء يبرّر، حتّى ولو تلقّيت «أوامر» أو تعرّضت الى الضّغط، أن تُطلق أمراً بمواجهة داخليّة تعلم جيّداً أنها لو وصلت الى منتهاها، وقد كان هذا احتمالاً جدّيّاً يومها، قد تودي ببلدك الى الخراب والحرب.

في أساس مفهوم «المسؤولية السياسية» أنّ القائد المنتخب هو من يفترض بك أن تأتمنه على مصير البلد ومستقبله، وهو من يحفظ مصالحه ويفاوض عنه في الغرف المغلقة. ومن المفترض به ايضاً أن تكون سلامة المجتمع السياسي أولويته الكبرى، ومعنى المسؤولية هو أن يجعلها خطّاً أحمر لا يفرّط به في أيّ ظرف ــــ لا أن يستسلم ويرمينا الى الجحيم بعد أوّل صفعة.
من السّهل أن ننظر الى الأمر برمّته كمسرحيّةٍ، أو حدثاً غريباً تذكره الصّحف الغربيّة ضمن فقرة «طرائف ابن سلمان»، والحياة السياسية في لبنان تصنع لديك مناعة ضد المفاجأة والفضيحة والاستهجان؛ ولكن الصّعب هو أن نحاول أن نأخذ المسألة بجدّيّة، وأن نحلّلها بوصفها حدثاً خطيراً كاشفاً، لا طرفة، وأن نعترف بالنتائج التي تترتّب عليه، أقلّه بيننا وبين أنفسنا (في لبنان ايضاً، اعتدنا على فكرة الوصول الى حافّة الهاوية، والتوقّف في اللحظة الأخيرة قبل الضغط على الزناد، حتى أصبحنا ننسى الأمر بعد أن ينقضي ونعتبره «قطوعاً وقد مرّ»).
فلنتخيّل لبرهةٍ، كتمرينٍ ذهنيّ، أننا في بلد ديمقراطي «طبيعي»، تكون للأحداث فيه نتائج ويقيّم السياسيّون فيه بحسب مقاييس النزاهة والمصداقية والأداء (أو تخيّل أنّك تكتب طلب منحة لمنظّمة اوروبية، وتريد أن تبدو كالعربي الديمقراطي «المثالي»). لو حلّلنا ما جرى منذ عامٍ بهذه المقاييس فإنّنا سنصطدم، منطقياً، بأكثر من إشكالٍ، وسيكون من الصّعب أن نوفّق بينها وبين واقع أن سعد الحريري، اليوم، هو رجل التوافق لقيادة الحكومة مجدداً. أوّلاً: امّا أنّك قد خُطفت، وأجبرت على قول ما قلته، أو لم تخطف. ولو أنّك خطفت، فليس من الطبيعي أن تخرج ثمّ تتعامل مع خاطفيك كأنّ الأمر لم يحدث، وتعلن ولاءك المستمرّ لنظام الرّياض، فهنا مشكلة حقيقية في المصداقيّة. ماذا نصدّق؟ هل تم احتجازك واهانتك أم كنت حرّاً أم تريدنا أن ننسى الموضوع ونتصرّف كأنّه لم يحصل؟ ومن، بأيّ معيار، يمكن أن يثق بسياسي يخضع لمن اعتدى عليه وأهانه؟ (وأن يطلق ابن سلمان «مزحة» عن الأمر، وفي حضور الحريري، فهو درسٌ جديد عن الفارق بين الجرأة والوقاحة، وقد وجد الحريري النكتة مضحكة). ثانياً، إن كان رئيس وزراء البلد يتمّ «استدعاؤه» الى الرياض، ويتفاوض هناك دورياً على مصير البلد مع محمّد بن سلمان ومعاونيه، فهذا ايضاً لا يدفع الى الإطمئنان البتّة. انت يمكنك، في الحدّ الأقصى، أن تضمن سعد الحريري، ولكن كيف تضمن ابن سلمان وما يدور في رأسه؟ وهل من الحكمة أن تربط مصيرك، بهذا الشكل التبعيّ، بنظامٍ لا يمكن التنبّؤ بأفعاله، وتعرف أنه يضعك في دائرة الاستهداف؟ أخيراً، الموضوع برمّته يطرح اسئلة جدّيّة حول ولاء رئيس الوزراء المكلّف، وهل هو مواطنٌ سعوديّ أم لبناني أوّلاً (فإبن سلمان، بوضوح، يرى الخيار الأوّل ويتعامل على هذا الأساس).
ولأنّ الإعلام من وظائفه الأساسيّة «تطبيع» الناس مع وقائع الحكّام وأهوائهم ومصالحهم، وجعل غير المقبول مقبولاً ومنطقيّاً، فقد شهدنا ترسانة كاملة من التبريرات حول ما حصل في الرياض: أن الحريري يحمل الجنسية السعودية، وأنّ لديه مصالح وشركات تربطه بها، وأن عائلته هناك، وأنّ في معسكره انشقاقات وتآمراً، الخ... وهذه كلّها حججٌ مقبولةٌ ومفهومةٌ بالمعنى الانساني العامّ، وهي تفسّر ما جرى، ولكن لا علاقة بينها وبين أن يكون الرّجل صالحاً لقيادة الحكومة.

عن الإعلام و«التأثير»
كما في قضيّة خاشقجي، كان الإعلام ــــ بكلامه وصمته ــــ مركزيّاً في قضيّة الحريري؛ وقد وجدنا أنفسنا في موقفٍ سورياليّ حيث بعض الإعلام يحشد لتحرير رئيس الوزراء «المخطوف»، وبعضه الآخر يتصرّف كأنّ كلّ شيءٍ طبيعيّ ويقود حملة السّبهان، والبعض الآخر من الإعلاميين يهرع لتغطية واقع الخطف، وتدبير تمثيليّات لإثبات أنّ الرجل حرّ وتبديد الشكوك (ايضاً، بنفس الأسلوب ومستوى الأداء الذي شهدناه حين حاول الفريق السعودي «التغطية» على اغتيال خاشقجي). الأمر الثاني المشترك بين الحدثين هو اقتران الفضائحية القصوى مع العقم السياسي. أن يصبح الموضوع مثار التغطية والتعليق والتسلية لأسابيع، ولكن من دون أيّ نتيجة سياسية حقيقيّة. موضوع خاشقجي قد دُفن تقريباً، الا في بعض الإعلام العربي، و«بلومبرغ» تقول إنّ الشركات الأميركية و«وول ستريت» رجعت الى التعامل الاعتيادي مع الرياض؛ وشخصية اقتصادية اميركية تصرّح بأنّ ردّة الفعل كانت مبالغة ولم تفد بشيء، وأنه من الأفضل أن نترك الموضوع خلفنا.
في قضيّة الحريري ايضاً، من الممكن أن تستفيض في الكلام عن حادثة الخطف، وأن تتابع التفاصيل وتتندّر، ولكن هذا لا يعني شيئاً طالما أنّ الحريري هو رئيس الوزراء القادم، وأنّ لا أحد يجرؤ على القول بأنّه لا يصلح لهذا المركز (تحت صيغة أن «لا بديل»)، وأن يواجه المعنى الحقيقي لهذا الاحتمال. ستكون القصّة، كسلسلة مناكفات 8 و14 آذار قبل سنوات، عملية تسجيل نقاطٍ ومسرحٍ إعلاميّ، لا تخرج منه برأيٍ جديدٍ أو بخطابٍ حاسمٍ يستجيب لهذا الواقع. من جهتي، من أجل الشفافية، أنا لم انتظر واقعة الرياض لتكوين رأيٍ في هذا الفريق السياسي، وليس بعد ما فعلوه خلال حرب 2006 من ذنب، وأنا من يومها لا أثق بكلّ من يدعو الى التطبيع مع هذا الفريق ومسامحته، وإن ضمنياً، على ما فعل ــــ حين وقعت فظائع الحرب الأهلية في لبنان، كنّا في حالة حربٍ وهي أحداثٌ جرت قبل أن أولد أو وأنا طفلٌ، ولكن الخيانة عام 2006 قد شهدتها أمامي وأنا راشد، فلا سبب عندي لكي أتنازل أو أسامح أو لا آخذ الموضوع على نحوٍ شخصي ( على........

© الأخبار